إن البيع بشرط رد المبيع إذا رد البائع الثمن، وهو سلف بمنفعة لأن المشتري ينتفع بالمبيع بلا مقابل بمقتضى عقد البيع وذلك من الربا المنهي عنه (2) ·
استدل أصحاب المذهب الثالث على أن بيع الوفاء بيع باطل بما يلي:
المعقول:
1 -إن اشتراط البائع أخذ المبيع إذا رد الثمن إلى المشتري يخالف مقتضى البيع وحكمه، وهو ملك المشتري المبيع على سبيل الاستقرار والدوام، وفي هذا الشرط منفعة للبائع ولم يرد دليل معين يدل على جوازه فيكون شرطًا فاسدًا يفسد البيع باشتراطه فيه ·
2 -إن البيع على هذا الوجه لا يقصد منه حقيقة البيع بشرط الوفاء وإنما يقصد من ورائه الوصول إلى الربا المحرم، وهو إعطاء المال إلى أجل، ومنفعة المبيع هي الربح، والربا باطل في جميع حالاته (3) ·
والراجح من هذه المذاهب، هو ما ذهب إليه بعض الحنفية، من أن هذا المبيع رهن حقيقي، فيأخذ أحكام الرهن، لأن الدافع إليه في الغالب هو الحاجة الملحة، فإن من الناس من يفتقر إلى المال، ولا يجد ما يخرجه من هذه الضائقة إلا بيع عقاره، أو منقوله إلى شخص آخر، فيشترط على المشتري أن يرجع إليه ملك المبيع إذا رد إليه الثمن، فهذا في الواقع يدل على أن البائع إنما قصد الرهن، وقد أجبرته الضرورة على إخراج ملكه عنه هذه المدة التي عينت للوفاء، وواقع حال المشتري أنه قبل ابتياعه للانتفاع به هذه المدة فإن عجز البائع عن رد الثمن، فإن المشتري يملك المبيع دون عقد جديد أو إجراء آخر، وإذا كان مقصود الشريعة المحافظة على الأموال حتى لا يحصل غبن لأحد من المتعاملين، فإن القول بأن بيع الوفاء بيع باطل أو رهن باطل، فيه غبن على المشتري بترك ماله دون توثق، وهو مالا يأمن البائع على ما دفعه له فقد يدعي الإفلاس، وقد يتصرف في ماله على وجه يجعله معدمًا فيضع على المشتري مادفعه، وفي القول بأن هذا البيع رهن حقيقي يحقق حفظ مال البائع والمشتري، فإن المبيع بمقتضى اعتباره رهنًا لا يملكه المشتري ولا ينتفع به، ولكن له حق استيفاء ثمنه منه عند أجل الوفاء، ويجعل المبيع وثيقة يستوفي منها ماله، وبذلك يتحقق مقصود الشارع من المحافظة على الأموال على وجه لا ظلم فيه ·
مستند القائل بجواز بيع الوفاء:
إذا كان مذهب المتقدمين من الحنفية وجمهور الفقهاء أن بيع الوفاء رهن باطل لأنه بيع اقترن بشرط - وفيه منفعة لأحد المتعاقدين - وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع وشرط، إذًا، فما المستند الذي استند إليه متأخرو الحنفية في حكمهم على جواز بيع الوفاء، وكيف وفقوا بين قوله صلى الله عليه وسلم في النهي عن بيع وشرط وهذا البيع؟
ومن المقرر فقهًا وأصولًا أنه لا عبرة للعرف إذا عارض نصًا تشريعًا، سواء كان العرف عامًا، أو خاصًا، لفظيًا كان أو عمليًا ·
تعارض العرف مع النص وتحليل ذلك:
إذا عارض العرف نصًا تشريعًا عامًا شاملًا بعمومه الأمر المتعارف ففي سلطان العرف عندئذ تفصيل بحسب كون العرف مقارنًا لورود النص، أو حادثًا بعده ·
أولًا: العرف المقارن لورود النص العام المعارض له:
العرف القائم عند ورود النص التشريعي إما أن يكون لفظيًا، أو عمليًا ·