أ - فإذا كان لفظيًا فلا خلاف بين الفقهاء في اعتباره فينزل النص التشريعي العام على حدود معناه العرفي عند الخلو عن القرائن لو كانت دلالة اللفظ الذي استعمله الشارع هي في أصل اللغة أوسع من دلالته العرفية، لأن العرف اللفظي العام هو لغة التخاطب فيوجه الألفاظ إلى معانيها في حدودها المألوفة مالم توجد قرينة دالة على أن الشارع أراد بلفظه حدودًا أوسع، وهذا في الواقع فرع من قاعدة وجوب حمل اللفظ على معناه الحقيقي مالم تضم قرينته على إرادة المجاز، لأن العرف اللفظي يجعل المعنى المتعارف حقيقة عرفية، وهي مقدمة في الفهم على الحقيقة اللغوية التي تصبح هي بالنسبة إلى الحقيقة العرفية مجازًا يحتاج إلى قرينة، فألفاظ البيع، والشراء، والإجارة، والسلم، وغيرها كل ذلك وغيره من النصوص يحمل على معانيه العرفية عند ورود النصوص بها وإن اختلفت عن المعاني الوضعية في أصل اللغة ·
ب - وأما إذا كان العرف القائم عند ورود النص المخالف له عرفًا عمليًا فقد اختلفت الاجتهادات في كونه صالحًا لتخصيص النص العام أو غير صالح · ولدى من يعده صالحًا يجد تفصيلًا بين أن يكون العرف عامًا أو خاصًا نلخصه فيما يلي:
أ - العرف المقارن العام:
فإذا كان العرف القائم عند ورود النص العام المعارض له عرفًا عامًا فإنه في الاجتهاد الحنفي يكون مخصصًا للنص، فيعد عندئذ ذلك النص مقصور الشمول على ماسوى الأمر المتعارف إذ يكون ذلك العرف قرينة قائمة دالة على أن الشارع لم يرد شمول ذلك الأمر المتعارف بعموم نصه المعارض له في الظاهر ·
والنظر الفقهي في ذلك أن النص إذا كان عامًا فإن العمل بالعرف في موضعه لا يكون تعطيلًا للنص كما في حالة خصوص النص، بل يبقى النص معملًا في مشمولاته الأخرى التي يتناولها عمومه، فليس في تخصيص النص بالعرف عندئذ إهمال للنص، بل هو إعمال للعرف والنص معًا، والعرف العملي يدل على حاجة الناس إلى ما تعارفوا عليه، وفي نزع الناس عما تعارفوه عسر وحرج، فالعمل بهما أولى وأوفى بالحاجة (1) ·
ب - العرف المقارن الخاص:
وأما إذا كان العرف القائم المعارض للنص العام عرفًا خاصًا بمكان دون آخر أو بفئة من الناس دون سواهم، كعرف التجار، والصناع في بعض البلدان، أو بعض الأصناف فالراجح من الآراء في الاجتهاد الحنفي أنه ليس له عند معارضة النص ما للعرف العام من قوة وسلطان، فلا يصلح العرف الخاص مخصصًا للنص العام المعارض ولو كان قائمًا عند ورود النص لأنه إذا كان عرف بعض البلاد أو الناس يقتضي تخصيص النص فإن عدم هذا العرف لدى بقية الأماكن أو الناس مالا يقتضيه فلا يثبت التخصيص بالشك (2) ·
ثانيًا: العرف الحادث بعد النص العام المعارض له:
وأما إذا كان العرف المعارض للنص العام حادثًا بعد ذلك النص، فإن هذا العرف لا يعد ولا يصلح مخصصًا للنص التشريعي باتفاق الفقهاء ولو كان عرفًا عامًا، لأن العرف الحادث هو طارئ بعد أن حدد مفهوم النص التشريعي ومراد الشارع منه وأصبح نافذًا منذ صدوره عن الشارع، فإذا ساغ تخصيصه بعد ذلك بعرف طارئ مخالف له كان ذلك نسخًا للنص التشريعي بالعرف، وهذا غير