فقول النبي صلى الله عليه وسلم: [كل ابن آدم خطاء] أي أنه يتأتى منه الخطأ، ومصداق ذلك في كلام الله تبارك وتعالى قول الله عز وجل: {ولله ما في السموات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن أتقى} (النجم:31،32) .
والشاهد في الآية قول الله تبارك وتعالى: {هو أعلم بكم} ، وذلك أنه سبحانه وتعالى أخبر أن أهل الإحسان الذين يتقبل الله عز وجل عملهم، وأنه بما أن له ملك السموات والأرض، فإنه يجزيهم بإحسانهم، يقول جل وعلا عنهم: {الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} .
هؤلاء هم أهل الإحسان، ثم علل الله عز وجل فبين أنهم قد يقع منهم اللمم، وذلك أن الإنسان خلقه الله تبارك وتعالى، وهو أعلم بفطرته وطبعه والمادة التي خلق منها، والمكان الذي نشأ فيه، فقد خلق من طين هذه الأرض، وهو مادة هابطة قاتمة، ثم كان في أخلاط البطن، ومعلوم ما في أخلاط البطن من التخليط ومن القذر، وكان هذا منشأ الإنسان {هو أعلم بكم إذ أنشأكم من الأرض} هذه طبيعتكم {وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم} هذا منشؤكم ومن أجل ذلك يصفو الإنسان ويعلو بالدين والهدى ويسفل ويخطئ ويقع بما في طبعه وما في فطرته من السفول والقذر.
[كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون] ، وقد خلقنا الله تبارك وتعالى ويعلم أننا نخطئ ولكن الله عز وجل أراد منا عند الخطيئة أن نتوب، وأن نرجع، وأن نستغفر، وهذا يحبه الله تبارك وتعالى، وهو يحب العذر من عباده، وعلى كل حال، فالناس أو الإنس والجن بحسب الخطيئة على أصناف.
الصنف الأول: هم أهل الإحسان، وهؤلاء الذين يقعون باللمم ولكنهم يذكرون الله تبارك وتعالى، ويستغفرون ويسرعون بالعودة إلى الله عز وجل كما قال سبحانه وتعالى: {خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين وإما ينزعنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه سميع عليم إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} (الأعراف:199 - 201) .
فهؤلاء هم أهل التقوى يمسهم طائف الشيطان، ولكن سرعان ما يتذكرون ويرجعون إلى الله تبارك وتعالى، وقد وصف الله أهل الإحسان في آية أخرى، فقال: وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون أولئك جزاؤهم