و لمّا كانت هاته الخصال ـ أعني قول الحقّ، و ملازمة الحقّ، و التّواصي بالحقّ ـ في الغالب تجلُب لصاحبها من الأذى ما قد تكرهه نفسه، قرنها تعالى بالتّواصي بالصّبر. فمن لم يتدرّع بالصّبر قلّ أنْ يثبُت في مقام الدّعوة إلى الله عزّ و جلّ، و يشعرُنا بهذا وصيّة لُقمان لإبنه فيما أخبر القرآن الكريم به، حيث قال:"وَ أمُرْ بِالمَعْرُوفِ وَ أنْهَ عَنِ المُنْكَرِ وَ اصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ"، يعني من خصال ذوي العزم.
و خلاصة القول أنَهُ يدخُل في التّواصي بالحقّ، الأمر بالمعروف و النّهي عن المنكر كما تقدّم؛ و يدخل في التّواصي بالصّبر حملُ الأذى و كفّ الأذى. و هاته الأخلاق الكريمة توجد في الأنبياء عليهم الصّلاة و السّلام بالسّجيّة، و في غيرهم من بقيّة المرشدين رضي الله عنهم بضربٍ من التّكلّف، غير أنّ الكُلفة تهون بقدر الوراثة النّبويّة"العُلَمَاءُ وَرَثَةُ الأَنْبِيَاءِ"، فهذا هو متروك الأنبياء عليهم الصّلاة و السّلام، و ذلك هو حظّ العلماء منهم. فليتأمّل المُتّصِفُ بالعالميّة حظَّه من ذلك الإرث و مقدار توجّهه و إخلاصه و نُصحه لله و لرسوله و للمؤمنين، فإن وجد في اخلاقه ما يُثبِتُ له نصيبا من ذلك الإرث فقد وجد فليلزم، و إلاّ فهو مقطوع السّبب، فينبغي له أن يلتجئ لمن يربط سببه، و يحقّقُ له وصلته، قبل أن تختم أنفاسه و هو على ما هو عليه، فيحشر على ما مات عليه، على أنّه ليس بعد هذه الدّار إلاّ الجنّةُ أو النّار، أعاذنا الله و المسلمين من سوء القرار.