و الثّاني له لوازم و خصائص تجعله في الحيّز المقابل للأوّل، المسمّى بالإنسان المحسوس، و الثّاني بالإنسان المنقول، أو نقول الأوّل يُسمّى بالإنسان الحيواني، و الثّاني بالإنسان الرّبّاني، و ليس الشّان أن يكون الإنسان حيوانيا، و لكنّ الشّأنَ أن يكون ربّانيًّا. قال تعالى:"وَ لَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الكِتَابَ وَ بِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ". و متى يكون الإنسان ربّانيّا؟ يكون إذا سافر من ظاهره إلى باطنه، و ارتقى على كاهل نفسه، لينظرما حجب عنه من شرفه و عُلوّه، و هناك يجد سِعة و ملكا كبيرا، حتّى إذا عرف ما فُطِرَت عليه نفس الإنسان، و ما كان عليه في عالم الإحسان، يقول قدْ أوتيتُ مُلكا لم يُؤتهُ أحد من العالمين. و تلك هي السّعادةُ الأبديّة. و إلى ذلك يُشير الإمام عليّ بقوله:"خُلِقْتُمْ لِلأبدِ". و هذا الإنسان المبهمُ الكنه، المعرفُ شأنه برفع المَنزِلَة هو المخلوق في أحسن تقويم، و الثّاني هو المرجوع به إلى أسفل سافلين. الأوّل هو المُشار إليه بقوله تعالى:"وَ لَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ". و الثّاني هو المعني بقوله:"ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ". و عليه فالإنسان الأوّل هُو مخلوقٌ غير مصوًر. و إليه اللإشارة في حديث:"خَلَقَ اللهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ"فإنّه لم يقُل تعالى صوّر الله آدم على صورته، لأنّ الخلق كان قبل وقوع الصّورة، و المخلوق على صورته لم تكن له صورة، و إذن لا صورة في الواقع، لا للإنسان الأوّل، ولا للمخلوقِ على صورته. و بهذا الأُنموذج تُدرِكُ كون الإنسان ضاع له من معرفة نفسه بقدر ما ضاع له من معرفة ربّه. نال ذلك بسبب نسيانه لِما كان عليه"نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ".
و بالجملة فإنّ خسران الإنسان تسبّبَ عن ظنّهِ كونُهُ هو بالجسم إنسانٌ، و في استطاعته الآن أن يتدارك ما فاته من عزّه، و ليس ذلك إلا أن يكون بالرّوح إنسانا.