و بالجملة فإنّ الغرابة لا تنفكّ مصحوبة للدّهر لا من جهة إسمه، و لا من جهة كنهه، و لا من جهة نوائبه. فقُل ما شِئت أن تقول، فإنّ الغموض فيه ذاتِيٌّ. و من وُجوه غرابته أنّه كان يقسم به عليه الصّلاة و السّلام أحيانا. و في خبرٍ عن عائشة رضي الله عنها أنّه كان يقراُ و العصر و نوائب الدّهر.
على أنّي لا أقول: إنّها كانت قراءة لاحتمال أن يكون ما بعد العصر تفسيرا له.
ثمّ نرجع الآن لما يعطيه الفهم من ظاهرالآية على التّقريب فأقول: إنّ الألف و اللآّم في الإنسان هُما للجنس. و المعنى تفيدُ كون جنس الإنسان من حيثُ هو محكوم عليه بالخسران إلاّ المستثنى من ذلك، و هو خبر صدق من الله جلّت عظمته، و إن كان الإنسان يجهل وجه خسرانه، الأمر الذي يتعيّن بسببه استجلاب عدّة مؤكّدات التي منها اللاّم و إن و الظرفيّة و إسميّة الجُملة و القسم، و هو أعلى درجات التّوكيد. كلّ ذلك يفيد بأنّ الإنسان غير شاعر بخسران نفسه، و لا هو خاليُ الذهن أيضا. و إلاّ لما احتيج لاستجلاب نظير تلك المؤكّدات، كما يستفادُ أيضا من سياق الآية. إنّ الإنسان في منتهى غاية الخسران في حال أنّه لا يشعر بشيء من ذلك الخسران بما زُيِّن له من سوء عمله، و تحكّم شهواته، حكمة من الله:"وَكَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ"
أمّا وجه الخسران فقد يبعد أن يتصوّره الإنسان، على ما هو عليه، إلاّ بعد مقارنته بحالته الحاضرة، أعني حياتَه العنصريّة مع حياته الرّوحانيّة قبل تعلّق الرّوح بالبدن عندما كانت الرّوح تسرح بين أفراد الملأِ الأعلى، و تسبح في محيط أنوارٍ يبعُدُ كلَّ البُعد عن ملابسة الأغيار.