ونحن مهما أعطينا طرفا من الإهتمام لهذا الأثر إلاّ و خرج بنا الوهم عمّا نعرفه من معنى الدّهر، الَذي هو عبارة عن الوقت المقرون بحركة الفلك، لأَِنّه متولّد عن حادث، و المتولّد عن الحادِث أحرى بالحُدوث من أصله، و ذهب بنا إلى شيْ أبعد ممّا نتخيّله من معتى الدّهر، و ألقانا في محيط امد حين لا امد، وهناك ينقلب الفكر خاسئا و هو حسير. أو هناك نعلم أنّ المراد بالدّهر هُوَ غيرُ ما نعلمه من الدّهر الذي هو عبارة عن المادّة الزّمنية المتكوّنة من جُزْأَي اللّيل و النّهار. و كيفما كان الحال، هذا الذي نعلمه من الدّهر لا يُعْدمُ حظّه من شعاعِ تلك الحضرة المُسْتَرْسلَة الوجود أزلا و أبدا. أعني ممّا لا نهاية لأزليّته إلى ما لا نهاية لأبديّته. و بالنّظر لذلك الإسترسال الغير متناهي، و الذي لم يسبق لبدْئه بُدٌّ، فهل يكون ما نعلمه من الزّمان متلاشيا في تلك المادّة ذات الوجود الصّرف؟ أم له طرف في الإستقلال؟ و على الفرض الثاني فالعقل لا يستطيع أيضا أن يُثبِت له نظير ما لغيره من الموجودات، من جهة كون الماضي منه و المستقبل معدومين. و الحاضر منه جزء لا يتجزّء، و هو القدر المتنازع بين الماضي و المستقبل. و إذن فهو أدقّ شيء عن ملامسة الوهم له. و ذلك هو مقرّ وجود الإنسان فيه. وهاته النّظرة هي التي لا يكاد الإنسان يُعطيه بها رتبةَ الوجود. أمّا إذا نظرنا على تطوّره فصولا، و انقسامه شهورا و أيّاما وأعواما، واعتبرناه محكوما عليه بالإقبال و الإدبار، و الزّيادة و النّقصان، خرج بتجسّمه ذلك عن دائرة الوهم إلى ما يُثبته الحِسّ، و تعترف بوجوده النّفس. و من تلك الحيثيّة لا يتردّد العقل في إثبات الوجود إليه، و لا في كونه حادثا و ظرفا للمحدثات، و لا في كونه ذا دواهي و خطوب و طواريْ و تقلّبات، و بالنّظر لما يترتّب على ذلك من المظانّ رتّب الشّارع نهيًا لمن يقصُد تنقيصه بقوله:"لا تسبُّوا الدَّهرَ فإنّ الدّهر هو اللهُ".