الصفحة 8 من 34

وما كان لهذه الشروط أن يرتكز عليها أهل السنة والجماعة لولا اعتمادها على نصوص الشريعة وأصولها ، ولاسيما أن الأمر يختص بالقرآن الكريم ، فما خالف هذه الشروط من أوجه القراءات فهو منسوخ أو باطل أو شاذ ( [14] ) ، ولا يمكن اعتقاد ذلك والحكم به إلا بدليل من القرآن والسنة ،"إذ لا نسخ بعد انقطاع الوحي ، وما نُسخ بالإجماع ، فالإجماع يدل على ناسخ قد سبق في نزول الوحي من كتاب أو سنة" ( [15] ) ، وما يقال في النسخ يقال فيما شابهه من الأحكام المذكورة آنفا القاضية ببطلان ما خرج عن تلك الأصول ، ولهذا قال العلماء:"القراءة سنة" ( [16] ) ، قال إسماعيل القاضي: ( ت 282 هـ ) في معنى ذلك:"أحسبه يعني هذه القراءة التي جُمعت في المصحف ( [17] ) ".

وقد عمل القراء بهذا الميزان إقراء وتأليفا في الحكم على القراءات، كما جاءت الإشارة إليه في أوائل مصنفاتهم ، فقال أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224 هـ) - وهو أول إمام معتبر جمع القراءات ـ ( [18] ) بعد أن ناقش أحد أوجه القراءات علل حكمه بأنه اجتمعت له الشروط الثلاثة المذكورة ، حيث قال:"اجتمعت له المعاني الثلاثة من أن يكون مصيبا في العربية وموافقا للخط وغير خارج عن قراءة القراء" ( [19] ) .

وعلى هذا الأساس اعتمد مكي بن أبي طالب ( ت 437 هـ ) ما يقبل من القراءات وما لا يقبل ( [20] ) .

وقد ظل هذا المعيار هو الحكم الذي يُحتكم إليه عند اختلاف أوجه القراءات ، ولا سيما بعد أن كثر الاختلاف فيما يحتمله الرسم ، وكثر أهل البدع الذين قرؤوا بما لا تحل تلاوته ( [21] ) .

وكلما تقادم الزمن كثر القراء وانتشروا ، وخلفهم أجيال بعد أجيال في طبقات متتابعة ، فمنهم المجوّد للتلاوة المشهور بالرواية والدراية ، ومنهم المقتصر على وصف من هذه الأوصاف ، وكثر بسبب ذلك الاختلاف ، وكاد يختلط المتواتر بالشاذّ ، فانبرى جهابذة العلماء فميزوا ذلك وحرروه وضبطوه في مؤلفاتهم ( [22] ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت