(وهذا نص الترجمة مصححًا مدققًا مراجعًا)
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، ثم أما بعد ..
فأحمد الله تعالى أن سهل لي الوقوف على مخطوطةٍ نادرةٍ مهمة مما كتبها وسطرها نادرة وقته، وعلامة زمانه، الإمام العلامة المحقق المدقق أبو عبد الله محمد بن أحمد الذهبي، تحدث فيها رحمه الله عن سيرة عطرة عبقه، ونبذة كريمة حسنة، لإمامٍ من الأئمة الأعلام، وعالمٌ من العلماء الأفذاذ الكرام، حوت بيانًا من القول وتوضيحا، وسطرت أحزانًا تتعب النفس همًا وتقريحا، تسيل منها العبرات، وتذرف بها الدمعات، ولكنها مع ذلك تثلج الصدر وتفرحه، وتسر الخاطر وتسعده .. ألا وهي سيرة شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية رحمه الله تعالى.
هذه السيرة أتى في بعض المصادر تسميتها بـ: (الدرة اليتيمية في السيرة التيمية) .. وليس هذا العنوان على طرة المخطوطة؛ فليس لنسختي صفحة عنوان .. إنما هي عبارةٌ عن ترجمةٍ يوحي صنيعُ ناسخها، وطريقة كتابتها أنها مستلةٌ من تأليف كبيرٍ آخر؛ وأنها ليست مستقلةً بذاتها أبدا.
وقد استظهرت تسميتها بهذا الاسم لموافقة وصف هذه النسخة ومحتواها لما وصف به الواصفون بأن للإمام الذهبي ترجمةٌ أفرد بها سيرة شيخ الإسلام وسماها"الدرة اليتيمية في السيرة التيمية".
وعندي أن هذا _ أي كون أن الإمام الذهبي هو الذي سمى ترجمته بهذا الاسم _ غير صحيح؛ فلم يرد هذا عنه هو نفسه أو عن من ترجم له وذكر مصنفاته رحمه الله .. إنما الأمر عندي لا يعدو وجهين:
الأول: أنه اجتهاد من قائله وتصرف منه .. بحيث سجع لهذه الترجمة عنوانًا يوافق محتواها؛ لما أن وقف عليها مفردةً لوحدها بدون عنوان.
الثاني: أنه وهمٌ من قائله ظنًا منه أن هذا الجزء إنما هو جزء مستقلٌ في التأليف وليس قطعةً مستلةً من تأليف آخر .. فقد أتى هذا الوهم عند ابن الوردي في تاريخه؛ حيث قال أن الإمام الذهبي أفرد له ترجمة وسماها"الدرة اليتيمية في السيرة التيمية"؛ فقال بعد أن ختم نقله منها:
(وهذه نبذة من ترجمة الشيخ مختصرة أكثرها من"الدرة اليتيمية في السيرة التيمية"للإمام الحافظ شمس الدين محمد الذهبي والله أعلم) ؛ وهي هذه الترجمة معنا بعينها.
والأظهر جدًا أنها قطعةٌ مستلةٌ مستخرجةٌ من كتابه الكبير في التاريخ والتراجم؛ والمعروف بـ"سير أعلام النبلاء"كما أوضح هذا الإمام الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى في الذيل على الطبقات.
كما قد أشار الإمام ابن عبد الهادي رحمه الله إلى شيء من هذا؛ حيث قال في العقود الدرية:
(وقال _ إي الإمام الذهبي _ في مكان آخر ذكر فيه ترجمة طويلة للشيخ قبل وفاة الشيخ بدهر طويل) فسرد قطعة كبيرةً من نص ترجمة مخطوطتنا هذه.
فقوله: (في مكان آخر ذكر فيه ترجمة طويله) لا يدل إطلاقًا على أن هذا المكان الآخر تأليف مستقلٌ بذاته، بل يدل كلامه هذا على أنه رحمه الله قد أودعها كتابًا آخر له ذكرها فيه، وكان يضع فيها كل ما يستجد ويطرأ ويجده ويقيده ويسمعه ويقف عليه؛ فلذلك تجد أن هذه الترجمة مرت بمراحل في تقييدها؛ وهذا الذي يوحي إليه قول الإمام ابن عبد الهادي: (قبل وفاة الشيخ بدهر طويل) . فتأمل
ويؤيد هذا الأمر وينصره؛ ما قاله ووضحه الإمام ابن رجب رحمه الله عندما اقتبس نصوصًا منها؛ قال:
(وقد كتب الذهبي في"تاريخه الكبير"للشيخ ترجمه مطولة، وقال فيها: .. ) فذكر نصوصًا هي بعينها في المخطوطة.
وكذا قال ابن العماد في شذرات الذهب مقتبسًا من ترجمة مخطوطتنا: (وقال الذهبي في «تاريخه الكبير» بعد ترجمة طويلة: .. ) فذكره.
وغيرهم من الحنابلة ممن ترجم للشيخ رحمه الله تعالى.
فلذلك كتابٌ بهذه الأهمية يتحدث عن شيخ الإسلام رحمه الله؛ ويؤلف بشأنه خاصةً تأليفًا مفردًا؛ ثم لا ينتشر ولا يعرف عنه شيئًا = أمرٌ بعيدٌ جدًا .. وهذا يؤيد ما هو ظاهرٌ من كون هذه الترجمة قطعة مستلة من كتابٍ كبير للإمام الذهبي.
وهذه المخطوطة قد اطلع عليها الإمام العلامة محمود شكري الآلوسي، فقد نقل منها مقتطفات في كتابه"غاية الأماني"هي بعينها في مخطوطتنا هذه، وقد خصصت العلامة الآلوسي بالذكر هنا لأن هناك مواضع لم يذكرها سواه ممن نقل من هذه السيرة أمثال الحافظ ابن رجب رحمه الله في"الذيل"، وابن عبد الهادي في"العقود الدرية"، وابن الوردي في"التاريخ"، وابن ناصر الدين في"الرد الوافر"و"شرح بديعة الزمان"، وابن العماد في"الشذرات"، ومرعي الكرمي في"الشهادة الزكية"، والآلوسي في"جلاء العينين"و"غاية الأماني"وغيرهم ممن ترجم للشيخ رحمه الله. فالله أعلم بحقيقة الأمر.
وقد قارنت بين مخطوطتنا وبين نقول هؤلاء الأئمة والعلماء كلها؛ فأثبت ما فيها من فروق ونحوها في الحاشية؛ مكتفيًا غالبًا بالمصدر الأصل الذي نقل عنه غيره ما اقتبسه من هذه الترجمة.
فبان أن هذه الترجمة المخطوطة = مستلةٌ ومستخرجةٌ من كتاب الإمام الذهبي نفسه الموسوم بـ"التاريخ الكبير"والذي يرجح جدًا _ إن لم يجزم _ أنه"سير أعلام النبلاء"، وأن هذه الترجمة من ضمن عداد التراجم الساقطة من هذا التاريخ. فتأمل
فلذلك تجد أن مخطوطتنا هذه قد أخذت طابع تراجم الأعلام في كتاب سير الأعلام؛ فتجد مستخرج هذه الترجمة أو ناسخها قد صدّر الترجمة بالعنوان الذي يضعه دائمًا الإمام الذهبي للشخصية التي يريد ترجمتها؛ فقال الناسخ في بدايةالمخطوطة: (قال _ أي الإمام الذهبي _: ابن تيمية .. ) هكذا على شكل عنوان؛ ثم شرع في سرد ترجمته.
وحقيقة لا يعلم من استلها واستخرجها، ويبقى أنه حفظ لنا نادرة من نوارد التأليف والتصنيف. فجزاه الله عنا خير الجزاء .. وسبحان الله أن يظفر من القسم المفقود من السِّيرِ بترجمة شيخ الإسلام رحمه الله!!
ويبقى قول من قال أن الإمام الذهبي قد أفرد ترجمةً لشيخ الإسلام دليله ومفاده هذه القطعة المستلة ظنًا منه أنها جزء مفرد مستقلٌ لوحده. فتأمل
وهذه النسخة مصورة عن نسخة دمشقية اقتنيتها من مكتبة الملك فيصل رحمه الله، عبارة عن (12) صفحة في (6) ورقات، وخطها ليس بالجيد لكنه مقروء، وبعض الكلمات بلا نقط.
ثم بعد الفراغ من إخراج هذه المخطوطة؛ وقفت عليها مطبوعة ضمن مجموع باعتناء أبو عبد الله حسين بن عكاشة، وذلك عن مكتبة الفاروق الحديثية بالقاهرة سنة 1425هـ، وقد بذل فيها جهدًا طيبًا جزاه الله خير الجزاء، لكنه لم يوفق _ وفقه الله _ في قراءة بعض الكلمات، فأخطأ في بعضها وترك الآخر القليل فارغًا لعدم تمكنه من تمييز الكلمة، مع وجود نقصٍ لم يستدركه وفقه الله في مقابلة المخطوط على من نقل عنها من المصنفين.
وقد تكدر خاطري فعلًا لما أن فوجئت بهذه الطبعة؛ فلم أكن أعرف عنها شيئًا قبل الآن، فكدت أن أتوقف عن مواصلة عملي في الترجمة، ولكن أراد الله إلا إتمامها، ولعل في قراءتي للمخطوط وخدمتها ما يشفع لي أمام الناس إن شاء الله. فالحمد لله.
ثم وقفت عليها مطبوعة بعد نشري لعملي هذا هنا؛ وذلك في (تكملة ترجمة شيخ الإسلام) للأخ الفاضل علي العمران وفقه الله .. وعمله لا يختلف عن سابقه وفق الله الجميع.