"... ولم نقصد استيفاء الرد على هذا المذهب المردود المرذول ، و إنما قصدنا تصويره ، و إلى اللبيب العادل العاقل التحاكم و لا يعبأ الله و عباده بغيره شيئا ، والله سبحانه لا يخصص شيئا ، ولا يفضله ويرجحه ؛ إلا لمعنى يقتضي تخصيصه وتفضيله ."
نعم هو معطي ذلك المرجح وواهبه ، فهو الذي خلقه ، ثم اختاره بعد خلقه ، وربك يخلق ما يشاء ويختار"انتهى ."
و قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في"الصفدية" (1/ 220 - 221) ما نصه:
"كذلك ما خص به الكعبة الحرام من حين بناه إبراهيم وإلى هذا الوقت من تعظيمه وتوقيره وانجذاب القلوب إليه ، و من المعلوم أن الملوك وغيرهم يبنون الحصون والمدائن والقصور بالآلات العظيمة البناء المحكم ، ثم لا يلبث أن ينهدم ويهان ، و الكعبة بيت مبني من حجارة سود بواد غير ذي زرع ، ليس عنده ما تشتهيه النفوس من البساتين والمياه وغيرها ، و لا عنده عسكر يحميه من الأعداء ، و لا في طريقه من الشهوات ما تشتهيه الأنفس ، بل كثيرا ما يكون في طريقه من الخوف والتعب والعطش والجوع ما لا يعلمه إلا الله ، و مع هذا ؛ فقد جعل الله من أفئدة الناس التي تهوى إليه ما لا يعلمه إلا الله ."
و قد جعل للبيت من العز والشرف والعظمة ما أذل به رقاب أهل الأرض ، حتى تقصده عظماء الملوك ورؤساء الجبابرة ، فيكونون هناك في الذل والمسكنة كآحاد الناس .
و هذا مما يعلم بالاضطرار أنه خارج عن قدرة البشر ، و قوى نفوسهم وأبدانهم ، و الذي بناه قد مات من ألوف السنين .
ولهذا كان أمر البيت مما حير الفلاسفة والمنجمين والطبائعية ؛ لكونه خارجا عن قياس عقولهم وقوانين علومهم ، حتى اختلقوا لذلك من الأكاذيب ما يعلمه كل عاقل لبيب ؛ مثل قول بعضهم: إن تحت الكعبة بيتا فيه صنم يُبَخَّرُ ، و يصرف وجهه إلى الجهات الأربع ؛ ليقبل الناس إلى الحج