وهذا القول باطل بأكثر من أربعين وجها قد ذُكِرت في غير هذا الموضع ، ويكفي تصور هذا المذهب الباطل في فساده ؛ فإن مذهبا يقتضي أن تكون ذوات الرسل كذوات أعدائهم في الحقيقة ، و إنما التفضيل بأمر لا يرجع إلى اختصاص الذوات بصفات ومزايا لا تكون لغيرها ، و كذلك نفس البقاع واحدة بالذات ، ليس لبقعة على بقعة مزية البتة ، و إنما هو لما يقع من الأعمال الصالحة ، فلا مزية لبقعة البيت ، و المسجد الحرام ، و منى ، و عرفة ، و المشاعر على أي بقعة سميتها من الأرض ، و إنما التفضيل باعتبار أمر خارج عن البقعة ، لا يعود إليها ولا إلى وصف قائم بها .
والله سبحانه وتعالى قد رد هذا القول الباطل بقوله تعالى: { وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ } ؛ قال تعالى: { اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } (الأنعام: 124) أي: ليس كل أحد أهلا ولا صالحا لتحمل رسالته ، بل لها محال مخصوصة لا تليق إلا بها، ولا تصلح إلا لها ، والله أعلم بهذه المحال منكم .
ولو كانت الذوات متساوية -كما قال هؤلاء- لم يكن في ذلك رد عليهم .
وكذلك قوله تعالى: { وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (53) } (الأنعام: 53) ، أي: هو سبحانه أعلم بمن يشكره على نعمته ، فيختصه بفضله ، ويمنّ عليه ، ممن لا يشكره ، فليس كل محل يصلح لشكره ، و احتمال منّته ، و التخصيص بكرامته .
فذوات ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتملة على صفات وأمور قائمة بها ليست لغيرها ، ولأجلها اصطفاها الله ، و هو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات ، وخصها بالاختيار ، فهذا خلقه ، و هذا اختياره { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ } (القصص: 68) ..."."
إلى أن قال رحمه الله: