و لهذا أخبر سبحانه أنه مثابة للناس ؛ يثوبون إليه على تعاقب الأعوام من جميع الأقطار ، ولا يقضون منه وطرا ، بل كلما ازدادوا له زيارة ؛ ازدادوا له اشتياقا .
لا يرجع الطرف عنها حين ينظرها حتى يعود إليها الطرف مشتاقا
فلله كم لها من قتيل وسليب وجريح ، وكم أنفق في حبها من الأموال و الأوطان ؛ مقدما بين يديه أنواع المخاوف و المتالف ، والمعاطب والمشاق ، و هو يستلذ ذلك كله ، ويستطيبه ، و يراه -لو ظهر سلطان المحبة في قلبه- أطيب من نِعَمِ المُتَحَلِّيَةِ وترفهم ولذاتهم .
وليس محبا من يعد شقاءه عذابا إذا ما كان يرضى حبيبه
وهذا كله سر إضافته إليه سبحانه وتعالى بقوله: { وَطَهِّرْ بَيْتِي } (الحج: 26) ، فاقتضت هذه الإضافة الخاصة من هذا الإجلال والتعظيم والمحبة ما اقتضته ؛ كما اقتضت إضافته لعبده ورسوله إلى نفسه ما اقتضته من ذلك ، وكذلك إضافته عباده المؤمنين إليه كستهم من الجلال والمحبة والوقار ما كستهم .
فكل ما أضافه الرب تعالى إلى نفسه ؛ فله من المزية و الاختصاص على غيره ما أوجب له الاصطفاء والاجتباء ، ثم يكسوه بهذه الإضافة تفضيلا آخر ، و تخصيصا و جلالة زائدا على ما كان له قبل الإضافة .
و لم يوفق لفهم هذا المعنى من سَوَّى بين الأعيان والأفعال ، والأزمان والأماكن ، وزعم أنه لا مزية لشيء منها على شيء ، و إنما هو مجرد الترجيح بلا مرجح .