و من خصائصها أنها لا يجوز دخولها لغير أصحاب الحوائج المتكررة إلا بإحرام ، وهذه خاصية لايشاركها فيها شيء من البلاد ، وهذه المسألة تلقاها الناس عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وقد روي عن ابن عباس بإسناد لا يحتج به مرفوعا:
"لا يدخل أحد مكة إلا بإحرام من غير أهلها".
ذكره أبو أحمد بن عدي (1) ؛ ولكن حَجّاج بن أرطاة في الطريق ، وآخر قبله من الضعفاء .
وللفقهاء في المسألة ثلاثة أقوال: النفي ، و الإثبات ، و الفرق بين من هو داخل المواقيت ومن هو قبلها ، فمن قبلها لا يجاوزها إلا بإحرام ، و من هو داخلها ، فحكمه حكم أهل مكة ، و هو قول أبي حنيفة ، و القولان الأولان للشافعي و أحمد .
و من خواصه أنه يعاقب فيه على الهمِّ بالسيئات وإن لم يفعلها ؛ قال تعالى: { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (25) } ( الحج: 25) .
فتأمل كيف عَدَّى فعل الإرادة هاهنا بالباء ، و لا يقال: أردت بكذا ؛ إلا لما ضُمن معنى فعل (همّ) فإنه يقال: هممت بكذا ، فَتَوَعَّدَ من همّ بأن يظلم فيه بأن يذيقه العذاب الأليم .
ومن هذا تضاعف مقادير السيئات فيه ، لا كمياتها ؛ فإن السيئة جزاؤها سيئة ، لكن سيئة كبيرة وجزاؤها مثلها ، و صغيرة جزاؤها مثلها ، فالسيئة في حرم الله وبلده وعلى بساطه آكد و أعظم منها في طرف من أطراف الأرض ، و لهذا ليس من عصى الملك على بساط ملكه كمن عصاه في الموضع البعيد من داره وبساطه ، فهذا فصل النزاع في تضعيف السيئات ، والله أعلم .
وقد ظهر سر هذا التفضيل والاختصاص في انجذاب الأفئدة ، وهوى القلوب ، وانعطافها ومحبتها لهذا البلد الأمين ، فجذبه للقلوب أعظم من جذب المغناطيس للحديد ، فهو الأولى بقول القائل:
محاسنه هيولى كل حسن ومغناطيس أفئدة الرجال
(1) في"الكامل في الضعفاء" (6 / 2276) .