من مكة يقول:"والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ، ولولا أني أخرجت منك ؛ ما خرجت".
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح .
بل ومن خصائصها كونها قبلة لأهل الأرض كلهم ، فليس على وجه الأرض قبلة غيرها . ومن خواصها أيضا أنه يحرم استقبالها واستدبارها عند قضاء الحاجة ؛ دون سائر بقاع الأرض .
وأصح المذاهب في هذه المسألة أنه لا فرق بين الفضاء والبنيان ؛ لبضعة عشر دليلا قد ذكرت في غير هذا الموضع ، وليس مع المفرق ما يقاومها البتة ؛ مع تناقضهم في مقدار الفضاء والبنيان ، وليس هذا موضع استيفاء الحِجاج من الطرفين .
ومن خواصها أيضا أن المسجد الحرام أول مسجد في الأرض ؛ كما في"الصحيحين"عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول مسجد في الأرض؟ فقال:"المسجد الحرام". قلت: ثم أي ؟ قال:"المسجد الأقصى". قلت: كم بينهما؟ قال:"أربعون عاما".
وقد أشكل هذا الحديث على من لم يعرف المراد به ، فقال: معلومٌ أن سليمان بن داود هو الذي بنى المسجد الأقصى ، وبينه وبين إبراهيم أكثر من ألف عام !
وهذا من جهل هذا القائل ؛ فإن سليمان إنما كان له من المسجد الأقصى تجديده ، لا تأسيسه ، والذي أسسه هو يعقوب بن إسحاق صلى الله عليهما وآلهما وسلم بعد بناء إبراهيم الكعبة بهذا المقدار .
ومما يدل على تفضيلها أن الله تعالى أخبر أنها أم القرى ، فالقرى كلها تبع لها ، وفرع عليها ، وهي أصل القرى ، فيجب ألا يكون لها في القرى عديل ، فهي كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الفاتحة أنها أم القرآن (1) ، ولهذا لم يكن لها من الكتب الإلهية عديل .
(1) كما في"صحيح مسلم" (395) عن أبي هريرة .