وقد اخْتُصَّ الحرمانِ الشريفانِ -مكةُ ، ومدينة النبي -صلى الله عليه وسلم- حرسهما الله تعالى (1) - بخصائصَ ومَيِّزاتٍ:
خصائص مهد الهداية (البلد الحرام ، أم القرى ، مكة) ؛ زادها الله شرفا:
وفي خصوص البلد الحرام ؛ فآيات القرآن الكريم ، و أحاديث نبيه عليه من الله أفضل الصلاة وأتم التسليم ، متكاثرة نصوصها على بيانها وذكرها ، وكتب المؤرخين -وبخاصة عن تاريخ الحرمين الشريفين- توضح ذلك وتشرحه:
وأكتفي هنا بذكر ما رقمه قلم الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى في فاتحة كتابه الحافل"الهدي النبوي" (1/ 46 - 54) عند تفسير قول الله تعالى: { وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ} ، فقال رحمه الله تعالى:
"ومن هذا اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها ، وهي البلد الحرام ؛ فإنه سبحانه وتعالى اختاره لنبيه صلى الله عليه وسلم ، وجعله مناسك لعباده ، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق ، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين كاشفي رؤوسهم ، متجردين عن لباس الدنيا ، وجعله حرما آمنا ، لا يسفك فيه دم ولا تعضد به شجرة ، ولا ينفر له صيد ، ولا يختلى خلاه ، ولا تلتقط لقطته للتمليك ، بل للتعريف ليس إلا ، وجعل قصده مكفرا لما سلف من الذنوب ، ماحيا للأوزار ، حاطا للخطايا ؛ كما في"الصحيحين"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"من أتى هذا البيت ، فلم يرفث ، ولم يفسق ؛ رجع كيوم ولدته أمه"."
(1) شاع في العصور المتأخرة قولهم:"مكة المكرمة"، و"المدينة المنورة"، و هما -أي: المكرمة ، و المنورة- وصفان مناسبان ، لكن لا يعرف ذلك عند المتقدمين من المؤرخين وغيرهم ، و هو -على ما يظهر- من مُحدَثات الأعاجم التُّرك ؛ إبان نفوذِهم على الحرمين .
و قد بيَّنْتُ ذلك في بعض ما كتبتُه من قبلُ .