فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 31

وإننا انجد في هذه الفترات بداية عهد التحزب لرأي إمامٍ من الأئمة ، والدفاع عن ذلك الرأي مهما كان الثمن .. وقد تبع هذا التحزب اشتغال هؤلاء بتحرير قواعد مذاهبهم ، ومآخذ أئمتهم ، ليتسنى لهم السير على مناهج أئمتهم في الاستنباط ، فجمعوا ما كان متفرقًا ، ولمُّوا شمل ما كان مبثوثًا في ثنايا الكتب ، وحرروا المسائل الأصولية لأئمتهم .

وفي الوقت ذاته كانت بعض الأصول لبعض الأئمة معروفة ، وذلك بسبب مناظراتهم مع بعضهم ، فحين أخذ بعضهم بالاستحسان وأنكر آخرون ، هجم المنكرون بالحجج ، ودافع المدافعون بالحجج ، وحينئذ صرحوا بتلك الأصول ، وتلقفها عنهم أتباعهم .. وهكذا .

ولقد صرح بعض الأئمة بأصوله لسبب وآخر .. فمثلًا:

1.جاهر أبو حنيفة ببحثه عن العلل حيث لا نص ، وصرح بأنه لا يخرج عن مجموع آراء الصحابة إن كان لهم رأيٌّ في المسألة ، فإن لم يكن لهم رأيٌّ وآل الأمر إلى اجتهاد التابعين ، فقد فقال .. هم رجال وأنا رجل ، وصرح بعدم عمله بخبر الواحد في حالة كون الراوي غير فقيه وقد رواه بالمعنى ، وأنه لا يأخذ به إذا خالف أصلًا من الأصول المعروفة من الشرع ، أو خالفه عمل الراوي ، وأخذ بالاستحسان فضلًا عن القياس .. وهكذا .

2.وجاهر الإمام مالك بالأخذ بالمصلحة ، والأخذ بعمل أهل المدينة ، والتوسع بدليل [ سدِّ الذرائع ] .. وهكذا .

3.وجاهر الشافعيُّ بأنه لم يجد نصًا وآل الأمر إلى اجتهادات الصحابة فإنه يجتهد كما اجتهدوا ولم يلزم نفسه برأيِّ أيِّ منهم ، وجاهر بتركه للاستحسان .. وهكذا .

ولهذا فقد جمع الإمام أبو يوسف الأنصاري قاضي القضاة في الدولة العباسية وتلميذ الإمام أبي حنيفة ، أقوال إمام مذهبه الأصولية ، ولكن كتابه لم يصل إلينا ، رغم ذكر ابن النديم له في الفهرست ، ولعله ما زال مخبوءًا في مكتبةٍ ما المكتبات الكثيرة التي تضم المخطوطات الإسلامية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت