وتصدى الإمام الشافعي بنفسه إلى تحرير مسائله الأصولية ، وكان يدرسها طلابَه ، فقام تلميذه الربيع المؤذن بجمع تلك الأصول ، وأسمى ذلك الكتاب بـ [ الرسالة ] وهو ينسب للشافعيِّ مباشرة رضي الله عنه ، ولا يذكر جمع الربيع له .
منهج الإمام الشافعيِّ في أصوله / لقد جمع الإمام الشافعيِّ بين منهجي أهل الرأي أو مدرسة العراق المتمثلة بمدرسة أبي حنيفة ، ومدرسة أهل الحديث أو مدرسة المدينة المتمثلة بمدرسة الإمام مالك بن أنس الأصبحي ، فهو قد درس على يد الإمام محمد بن الحسن الشيباني تلميذ أبي حنيفة ومحرر مذهبه ، ودرس على الإمام مالك نفسه في المدينة المنورة وعاد إلى العراق ، ثم ذهب إلى مصر فاستقرت أصوله هناك ، وحررها الربيع في [ الرسالة ] . قد راعى الإمام الشافعيِّ الأعراف ، وبدَّل كثيرًا من آرائه المبنية على العرف حين حلَّ بمصر ، فكان له - تبعًا لذلك - مذهبان: قديم وجديد [1] .
الإمام الشافعيِّ وكتاب الرسالة / لقد نشأ الإمام الشافعي في البادية ، وهو عربيٌّ قرشي ، فكان عارفًا بأساليب العربية وخفاياها ، متفقهًا فيهًا أيّما تفقهٍ ، فكان كلامه حجةٌ يعتد به مع أن عصر الاستشهاد اللغوي قد اقتصر قبله على عصر الجاهلية وعصر المخضرمين ! .
لقد كان لظهور الجدل بين الفقهاء في الأصول ، مع القابلية المتفردة للإمام الشافعي ، كل ذلك دفعه لوضع القواعد الاستنباطية التي يراها صحيحةً ، تنظيمًا لأمر الاجتهاد ، ولوضع ضوابطه .
(1) مباحث الحكم ، ومذكرات السنهوري في تأريخ الفقه / مرجعان سابقان .