لقد كوَّن كل ما تفدم لدى الصحابة الكرام ذوقًا استنباطيًا رفيعًا ، وإن لم يظهر على هيئة قوانين وقواعد مقعَّدة كما حصل بعدئذِ ، فحين تداولوا في حدِّ شارب الخمرة قاسوه على حد المفتري - وهو الذي يقذف غيره بالزنا - والوارد في قوله تعالى: { والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا وأولئك هم الفاسقون } [1] ، فقالوا: شارب الخمرة إذا سكر هذى ، وإذا هذى افترى ، وعلى المفتري ثمانون جلدة ! .
هذا الذي اجتهده الصحابة هو من قبيل سدِّ الذرائع ، وهو قياس بإدراك العلة .
وحين أوقف عمر بن الخطاب رضي الله عنه سهم المؤلفة قلوبهم من الزكاة .. قال: [ إن الله أعزَّ الإسلام وأغناه عنكم ، فإن ثبتم عليه وإلاَّ فبيننا وبينكم السيف ] .
وحينما أوقف قطع يد السارق حين حلَّت مجاعة بالمدينة المنورة ، وكان السارق أحد عبيد بعض الأغنياء ، قال عليه الرحمة والرضوان: [ أما والله لولا أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى أن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حلَّ له .. لقطعت أيديهم ، وأيُّم الله إذا لم أفعل لأغرِّمنك غرامةً توجعك ] . فلاشك أن سيِّدنا عمر رضي الله عنه قد لاحظ في اجتهاده المصلحة التي لأجلها شرِّع الحكم ، ثم جعل الحكم يتبع المصلحة ويترتب عليها ، وقد غيَّر عليه الرضوان الحكم تبعًا لتغير علة الحكم ، أو قل حين انتفت علته تمامًا فأوقف الحكم بهذا السبب ، ولهذا سنرى أن الأصوليين سيقولون - بعدئذ -: [ أن الحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا ] .
(1) سورة النور / 4 .