فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 31

لو أراد الله جلَّ وعلا أن يُحصي الأحكام لنا لما أعجزه ذلك - وحاشاه - ، فقد أحصى كلَّ ما في الكون .. { وكلَّ شئٍ أحصيناه في إمامٍ مبين } [1] ، لكن هذا سيكون معجزًا لنا ، إذ ستمضي سنيِّ العمر ولا نصل إلى حكم مسألة قامت الحاجة لحكمها عند فلانٍ من الناس ، وذلك بسبب كثرتهم في كلِّ جيل ، وتفرقهم في الآفاق مما لا يحتاج إلى دليل . فرأفته بنا جعلته يغيِّب عنَّا الكثير ولا ينص إلاَّ على القليل .

ليس الخفاء مما يشين - بعد أن تبينت محاسنه - ، بل هو من محاسن هذا الدين المتين .. يقول الشاعر:

ليس الخفاء بعارِ على امرئٍ ذي جلالِ

فليلة القدر تخفى وهي خير الليالي

فمن هذا نعلم .. أن خفاء الأحكام في ثنايا النصوص جعلت الحاجة قائمة لجملة من العلوم ، دمجت مع بعضها بإتقان عجيب فسميت بمجموعها [ علم أصول الفقه ] ، فهو مستمد من علوم عدة .. أهمها هي:

أولًا - علوم العربية: وتشمل .. النحو ، وعلوم البلاغة ، وعلم الصرف ، وعلم الوضع ، وعلم فقه اللغة ، وعلم الاشتقاق .

إن المعاني للأحكام قد قامت غي ذات الله منذ الأزل .. لأنه أزلي ، ثم جلَّ وعلا اختار: اللغة ، والرسول ، فاختار العربية لغة لخطابه لعباده ، واختار محمدًا - وهو عربي - ، فعبر جلَّ وعلا عن تلك المعاني التي قامت في ذاته - على هيئةٍ لا نعرفها - بالغة التي اختارها .. وهي العربية.

إن اختيار العربية لم يمن لمزيد عناية بالعرب أو تفضيلٍ لهم على سائر مخلوقاته ، بل كان اختيارها فيه مزيد تكليفٍ عليهم فلم يقبل منهم إلاَّ: الإسلام .. أو السيف ، لأنهم فهموا مراد الله الذي عبرَّ عنه تعالى بلغتهم . واختيار العربية كان بسبب كونها:

أ. واسعة المعاني والمفردات ، وفيها دقة في التعبير عن المتقاربات ، ففرقوا بين: الجميلة ، والغانية ، والفاتنة .. وهكذا .

ب. فيها التوليد عن طريق الاشتقاق ، بحيث تستوعب كلَّ جديد .

(1) يس / 36 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت