لم يكن يحب المدح بل يغضب منه، ربما قام بعمليات فلم ينسبها إلى نفسه، كان يكتب بعض الشعر الشعبي، وأكثر شعره في الزهد ولم يكن ينشره، ومن ذلك أبياته بعد مقتل رفيقه أبي ذر الطائفي وقد تأثر لذلك:
مضيت يا بوذر وخليتني ليه ... ماذا بعهدك يا حسين الفعالِ
بانشدك يا يمه كيف جبتيه ... هذا عديم المثل بين الرجالِ
ثم قال مهددًا:
والله لأرد الكيل بأطنان وأصليه ... وأجعل عليه الحمر تبكي الليالي!
والحمر هم الروس ..
المحطة الثالثة
كانت الحياة مشرعة له، ولم يكن إنسانًا فشل في دراسته أو وظيفته فهرب منها، لكن علم غرور هذا الدنيا، كاد أن يذهب إلى البوسنة فلم يحصل ذلك، ولم يذهب إلى الجهاد حتى رضي أبوه ثم رضيت أمه بعد ذلك، فخرج في 14/ 11/1416هـ .. ، وتوفي أبوه بعد خروجه بثلاث سنين ..
تدرب ثم ذهب إلى الشيشان، في آخر الحرب الأولى، جاء من طريق جورجيا، ووقف عند الحدود شهرًا كاملًا، لم يكن هناك طريق سالك ولا بد من دليل، فكانوا كل يوم ينتظرونه، فكان يصلي بهم، وفي يوم صلى ورفع يديه ودعا وألح بالدعاء أن يفرج الله عنهم وقال: يا ألله اليومَ اليومَ، حتى عجب أصحابه، فلما انصرف من الصلاة كان بعضهم يمازحه ويقول: ما شاء الله صرتَ أويس القرني، فما مضى إلا زمن قصير حتى جاء الله بالدليل، فكان ذلك الرجل يمازحه يقول: يا مستجاب الدعوة، حتى غضب وقال: أسألك بالله أن لا تقول هذه الكلمة .. فدخلوا الشيشان وقد ركبوا الخيول ..
سنمضي ... وكل يد جذوة ... تعانقها أختها في المسيرْ
قطعنا لظى الدرب حتى دنت ... قوافلنا من شذاه النضير
ومهما يكن في بقايا الطريق ... فلا بد مهما عتا أن نسيرْ
دخل الشيشان متدربًا عاديًا، وكان مع المجاهدين العرب، لكن لم يعجبه كثرة حديثهم وصوتهم فانعزل عنهم، فلم يكن يحب كثرة الناس، وبعد انتهاء دورة تدريب تولى مسئولية مستودع الذخيرة، وكان شديد الدقة والحرص، فكان يقول مثلًا: لماذا التدرب على 100 طلقة يكفي عشرة، حتى حدث تعاتب بينه وبين أحدهم لهذه الشدة، فلم يرد أن تزيد المشكلة فترك العمل وسلم المفتاح لغيره، فلما علم القائد خطاب بالأمر قال: هذا الرجل الذي نريده وأمر بإعادته ..
المحطة الرابعة
تعلم شيئًا في المتفجرات، فكان يعطي المتدربين الجدد بعض الدورات، فأراد أن يطور نفسه، فأصبح يقرأ ويبحث ويجرب، وترك المعسكر العام وتوجه إلى غرفة صغيرة بعيدة منعزلة وسط الغابات كانت مهجورة؛ فرممها وجعلها مركز تدريبه الخاص، طور نفسه، كان يأتي بالمواد الأولية فيصنع منها متفجرات، ربما أخذ بعض البراميل وملأها بمتفجراته وجربها في بعض الوديان، وقد طلب قبل وفاته بزمن قصير بإحضار أكثر من 20 ساعة كاسيو ليصنع منها قنابل موقوتة! لعل الله أن يبارك فيها ..
كان حريصًا على التربية الإيمانية وتربية النفس، ذكروا عنه كثرة السجود، وفي جبهته علامة، وكان ربما طلب من إخوانه أن يرسلوا له أشرطة ويقول: إن قلوبنا خاوية، وتدرب على يديه عدد من الأوزبك والشيشان فكان من خيرة المجاهدين، ليس سهلًا أن تصنع رجالًا يبيعون أنفسهم، لكن الله أعانه فصنعهم حتى كان في يوم من الأيام وجس نبضهم في عملية خطيرة، فوافقوا فجهز أربعة رجال في أربع شاحنات متفجرة في أربع مناطق، تفجرت في ساعة واحدة وخلَّفت أكثر من ألف قتيل روسي.
رأى رؤيا أن أحد هؤلاء الأربعة وهو عبدالملك الأوزبكستاني كأنه عند العرش فسأله: ما فعل الله بك؟ فقال أنه أكرمه أو غفر له ونحو ذلك، فتأثر "يرموك" من هذه الرؤيا، وكان يكثر من أن يقول: والله لولا أن الشباب مسَّكونا أعمالًا كنا دخلنا في هذا العمل، لأن القائد خطاب كان يأبى أن يشترك في مثل هذه الأعمال ..