وقال أبو هلال: =وإياك والتوعّر؛ فإن التوعُّرَ يُسْلِمُك إلى التعقيد، والتعقيدُ هو الذي يَسْتَهْلِكُ معانيك، ويشين ألفاظك، ومَنْ أراد معنى كريمًا فليلتمس له لفظًا كريمًا؛ فإن حقَّ المعنى الشريفِ اللفظُ الشريف، ومن حقِّهما أن يصونهما عما يدنسهما ويفسدهما ويهجنهما، فتصير بهما إلى حدٍّ تكون فيه أسوأ حالًا منك قبل أن تلتمس منازل البلاغة، وتَرْتَهِنَ نفسك في ملابستهما+. (1)
وقال: =وأجود الكلام ما يكون جزلًا سهلًا، لا ينغلق معناه، ولا يستبهم مغزاه، ولا يكون مكدودًا مستكرهًا، ومُتوعرًا مُتَقَعِّرًا، ويكون بريئًا من الغثاثة، عاريًا من الرثاثة.
والكلام إذا كان لفظه غَثًَّا، ومعرضه رثًا كان مردودًا ولو احتوى على أجلِّ معنىً وأنبله وأرفعه وأفضله+. (2)
وبالجملة فإن أجود الكلام: السهلُ الممتنع (3) ؛ السهل الذي يفهمه من قرأه وسمعه، الممتنع: المتعذر على من رام أن يكتب أو يقول مثله.
قال أبو هلال العسكري ×: =أخبرنا أبو أحمد قال: أخبرنا الصولي قال: حدثنا أحمد بن إسماعيل قال: وصف الفضلُ بن سهل عمرو بنَ مسعدة فقال: هو أبلغ الناس، ومن بلاغته أن كل أحد يظن أنه يكتب مثل كُتِبه؛ فإذا رامها تَعَذَّرت عليه+. (4)
17_ توظيف الثقافة والمعارف لخدمة الموضوع
فمن أعظم ما يرتقي بالكتابة، ومن أجمل ما يحسن بالكاتب _ أن يوظِّف طاقاتِه وثقافتَه، ومعارفَه لخدمة الغرض الذي يرمي إليه؛ لأجل أن يكون موضوعه متكاملًا مُشْبعًا من جميع الجوانب؛ فيجتمع فيه الدليل الشرعي، والشاهد التاريخي، والنكتة البلاغية، والنادرة الأدبية، والبيت الشارد، والمثل السائر، وهكذا...
هذا وإن كتب الأوائل حافلة بما يشهد لتنوع المصادر، وتوظيف الثقافة والمعارف لخدمة الموضوع.
وكذلك بعض كتابات المتأخرين.
(1) _ كتاب الصناعتين ص134.
(2) _ كتاب الصناعتين ص67.
(3) _ انظر كتاب الصناعتين ص61.
(4) _ كتاب الصناعتين ص61.