فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 60

وذلك بأن يكون الكاتب متزنًا في طرحه، بعيدًا عن التهوين والتهويل؛ فالحقيقة تضيع بين ذلك، والعرب تقول في أمثالها: =خير الناس هذا النمط الأول والأوسط+ يعني بين المقصر والغالي.

وذلك مما يدل على حكمة الكاتب، ورجحان عقله، وحرصه على الحقيقة.

ومن الاعتدال في الألفاظ أن تكون رشيقة واضحة، وأن يكون الكلام حالًا بين حالين: بين الوحشي الغريب، والسوقي القريب.

ومن الاعتدال: أن يبتعد عن التكلف؛ فلا يبالغ في سجع، ولا يقصد إلى التعمية، ولا يأتي بالعبارات القلقة.

قال أبو هلال العسكري ×: =الكلام _ أيدك الله _ يَحْسُن بسَلاسَتِه، وسهولته، ونصاعته، وتخيُّر لفظه، وإصابة معناه، وجودة مَطَالِعه، ولينِ مقاطعه، واستواء تقاسيمه، وتعادُلِ أطرافه، وتشابه أعجَازِه بهَوَادِيه (1) ، وموافقة مآخِيره لمبَادِيه، مع قِلَّةِ ضروراته، بل عدمها أصلًا، حتى لا يكون لها في الألفاظ أثر، فتجد المنظومَ مثل المنثور في سهولة مَطْلَعه، وجودة مَقْطَعِه، وحسن رَصْفِه وتأليفه، وكمال صَوْغه وتركيبه.

فإذا كان الكلام كذلك كان بالقبول حقيقًا، وبالتحفظ خَلِيقًا+. (2)

وقال ×: =وأخبرنا أبو أحمد عن الصولي عن الغلابي عن طائع وهو العباس بن ميمون، من غلمان ابن ميثم، قال: قيل للسيد: ألا تستعمل الغريبَ في شِعْرِك.

فقال: ذاك عِيٌّ في زماني، وتكلُّف منِّي لو قلته، وقد رُزقت طبعًا واتِّساعًا في الكلام، فأنا أقول ما يعرفه الصغير والكبير، ولا يحتاج إلى تفسير، ثم أنشدني:

أيا رَبِّ إني لم أُرِدْ بالذي به ... مَدَحْتُ عَلِيًّا غير وجهك فارحم

فهذا كلام عاقل يضع الشيء موضعه، ويستعمله في إبَّانه+. (3)

(1) _ الهادي: العنق والمتقدم وجمعه الهوادى.

(2) _ كتاب الصناعتين ص55.

(3) _ كتاب الصناعتين ص61.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت