خامسا: وشرط بعض أهل العلم شرطا، وله وجاهته، ولكن لا أراه واجبا ،وهو أن يكتب التفسير العربي أولا ثم يعقب عليه بذكر الترجمة التفسيرية ، دفعا لشبهة اعتقاد أنها ترجمة حرفية للقرآن يكتفي بها عن أصله ، وهو شرط وجيه ، غير أني أرى أنه مادام التزمت الشرائط السابقة ، مع البيان التام للقراء ، وكتابة ذلك على طرة التفسير (الترجمة ) فقد يغني ذلك.
وفي الحقيقة نحن لا نستطيع أن نفعل أكثر من ذلك ، حتى عندما نحاول أن نترجم كلاما بشريا ، ماذا يعاني المترجم عندما يترجم كلاما لأحد النصوص الأدبية التي كتبها إنسان مثله،لا شك أن العبء الذي يقوم به المترجم في نقل النص سيكون أشد مما كابده المنشئ الأصلي الذي كان حر التصرف بمعانيه وطليقا فيما بين ذات نفسه وذات قلمه فهو ينهل ما يشاء من معينه ويستأنس بما يرغب من مراجع ، وليس كالمترجم الذي يقع أسير معاني غيره فيضطر إلى إيرادها كما هي على علاتها خشية الشك في أمانة النقل ، إنه يحاول أن يوصل للقارئ النص جميلا كما كتبه صاحبه ،ويرجو أن ينجح ، ومهما يكن من شئ ، هما جميعا بشر من نوع واحد ويتفقان في أشياء كثيرة ،ومهما اختلفت البراعة الأدبية بينهما ، هما قبل كل شئ وبعده ، بشر من جنس واحد ، ولكن الأمر يختلف تماما عندما نترجم كلام الله تعالى أو معانيه ، وإذا كنا لا نستطيع أن نجزم للقارئ بأننا ترجمنا كل ما يريده الكاتب البشري ولكننا حاولنا فقط ونرجو النجاح ، فإن الأمر سوف يكون أشد صعوبة عندما نحاول أن نترجم معاني كلام الله تعالى .
إن هذه الصعوبة لا تختص بتفسير القرآن الكريم بلغة غير العربية بل لقد كان الصحابة والتابعين لهم يتورعون عن تفسير القرآن الكريم ويهابونه ولولا الضرورة لما تصدى أحد منهم لهذا العمل ورعا وخوفا إذ إن الأمر يتعلق بمعاني كلام الله .
المطلب الثاني
العلاقة بين الترجمة المعنوية والتفسير