الصفحة 45 من 52

فهذه بلدنا - مصر - فيها مرصد من أعظم المراصد، وفيها علماء بالفلك والهيئة، من الأزهريين وغيرهم، ممن يستطيعون أن يحسبُوا حساب القمر حين يغيب بعد الشمس ولو بلحظة، في كل وقت وكل شهر، ويحكموا في ذلك الحكمَ القاطعَ الجازمَ، الموجبَ لليقين عند أهل العلم.

فماذا علينا من بأس إذا رجعنا لقولهم وعلمهم، ووثقنا بحسابهم في ذلك، ثقتَنَا بحسابهم في مواقيت الصلاة وغيرها من العبادات؟ وثقتَنَا بأخبار التلغراف والتلفون والراديو في إثبات الهلال بالرؤية من أي بلد من بلدان مصر أو السودان أو غيرهما؟

لقد كان للأستاذ الأكبر الشيخ المراغي، منذ أكثر من عشر سنين، حين كان رئيس المحكمة العليا الشرعية: رأي في ردّ شهادة الشهود، إذا كان الحساب يقطع بعدم إمكانية الرؤية، كالرأي الذي نقلتُه هنا عن تقي الدين السبكي، وأثار رأيه هذا جدالًا شديدًا، وكان والدي وكنت أنا وبعض إخواني ممن خالف الأستاذ الأكبر في رأيه. ولكنني أصرح الآن بأنه كان على صواب، وأزيدُ عليه وجوبَ إثبات الأهلة بالحساب، في كل الأحوال، إلاَّ لمن استعصى عليه العلم به.

وما كان قولي هذا بِدْعًا من الأقوال: أن يختلف الحكم باختلاف أحوال المكلفين، فإن هذا في الشريعة كثير، يعرفه أهل العلم وغيرهم، ومن أمثلة ذلك في مسألتنا هذه: أن الحديث"فإن غُمَّ عليكم فاقْدُرُا لَهُ"ورد بألفاظ أُخر، في بعضها"فإن غُمَّ عليكم فأكملوا العِدَّةَ ثلاثين". ففسَّر العلماء الرواية المجملة"فاقْدُرُا له"بالرواية المفسرة"فأكملوا العدة"، ولكنَّ إمامًا عظيمًا من أئمة الشافعية، بل هو إمامهم في وقته، وهو أبو العباس أحمد بن عمر بن سُرَيج، جمع بين الروايتين، بجعلها في حالين مختلفتين: أن قوله"فاقدروا له"معناه: قَدَّرُوه بحسب المنازل، وأنه خطاب لمن خصه الله بهذا العلم. وأن قوله"فأكملوا العدة": خطاب للعامة [1] .

(1) - انظر شرح القاضي أبي بكر بن العربي على الترمذي (ج 3 ص 207 - 208) وطرح التثريب (ج 4 ص 111 - 113) وفتح الباري (ج 4 ص 104) .أحمد شاكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت