فعلق الحكم بالصوم وغيره بالرؤية، لرفع الحرج عنه في معاناة التيسير، واستمر الحكم في الصوم لو حدث بعدهم مَن يعرف ذلك. بل ظاهر السياق ينفى تعليق الحكم بالحساب أصلًا. ويوضحه قوله في الحديث الماضي: فإن غُمّض عليكم فأكملوا العدةَ ثلاثين. ولم يقل فَسَلوا أهل الحساب. والحكمة فيه كونُ العدد عند الإغماء يستوي فيه المكلفون، فيرتفع الاختلاف والنزاع عنهم. وقد ذهب قوم إلى الرجوع إلى أهل التيسير في ذلك، وهم الروافض [1] ، ونقل عن بعض الفقهاء موافقتهم، قال الباجي: وإجماع السلف الصالح حجة عليهم. قال ابن بزيزة: وهو مذهب باطل، فقد نهت الشريعة عن الخوض في علم النجوم، لأنها حَدْسٌ وتخمين، ليس فيها قطع ولا ظنٌ غالب، مع أنه لو ارتبط الأمر بها لضاق، إذ لا يعرفها إلا القليل"."
فهذا التفسير صواب، في أن العبرة بالرؤية لا بالحساب، والتأويل خطأ، في أنه لو حدث من يعرف ذلك (استمر الحكم في الصوم) ، لأن الأمر باعتماد الرؤية وحدها جاء معللًا بعلة منصوصة، وهي أن الأمةَ"أمية لا تكتب ولا تحسب"والعلة تدور مع المعلول وجودًا وعدمًا، فإذا خرجت الأمةُ عن أميتها، وصارت تكتب وتحسب، أعني صارت في مجموعها ممن يعرف هذه العلوم، وأمكن الناسَ - عامتهم وخاصتهم - أن يصلوا إلى اليقين والقطع في حساب أول الشهر، و أمكن أن يثقوا بهذا الحساب ثقتهم بالرؤية أو أقوى، إذا صار هذا شأنهم في جماعتهم وزالت علة الأمية: وجب أن يرجعوا إلى اليقين الثابت، وأن يأخذوا في إثبات الأهلة بالحساب وحده، وأن لا يرجعوا إلى الرؤية إلا حين يستعصي عليهم العلم به، كما كان ناسٌ في باديةٍ أو قريةٍ، لا تصل إليهم الأخبار الصحيحة الثابتة عن أهل الحساب.
وإذا وجب الرجوع إلى الحساب وحده بزوال علة منعه، وجب أيضًا الرجوع إلى الحساب الحقيقي للأهلة، واطّراحُ إمكانِ الرؤية وعدمِ إمكانها، فيكون أولُ الشهر الحقيقي الليلة التي يغيب فيها الهلال بعد غروب الشمس، ولو بلحظة واحدةٍ.
(1) - لا ندري مذا يريد الحافظ بالروافض؟ إن كان يريد الشيعة الإمامية، فالذي نعرفه من مذهبهم أنه لا يجوز بالحساب عندهم. وإن كان يريد ناسًا آخرين فلا ندري من هم!!. أحمد شاكر.