ففي الصحيحين ومسند الإمام أحمد، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: دخلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يوعك فمسسته فقلت: يا رسول الله، إنك لتوعك وعكًا شديدًا؟ قال: «أجل، إني أوعك كما يوعك الرجلان منكم» ، قلت: إن لك أجرين؟ قال: «نعم، والذي نفسي بيده، ما على الأرض مسلمٌ يصيبه أذى من مرض فما سواه إلا حطَّ الله عنه خطاياه كما تحط الشجرة ورقها» .
وفي صحيح البخاري عن أنس - رضي الله عنه - قال: لمَّا ثقل النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واكرب أبتاه، فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم» ، فلما مات قالت: واأبتاه، أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه من جنة الفرودس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة: يا أنس، أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله التراب.
قال النور الحلبي في إنسان العيون: «والحكمة فيما شوهد من شدة ما لقي الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الكرب عند الموت تسلية أمته إذا وقع لأحدٍ منهم شيء من ذلك عند الموت» .اهـ.
قال القسطلاني: كادت الجمادات تتصدع من ألم مفارقته - صلى الله عليه وسلم - فكيف بقلوب المؤمنين، ولما فقده الجذع الذي كان يخطب عليه قبل اتخاذ المنبر حَنَّ إليه وصاح، وكان الحسن البصري إذا حدَّث هذا الحديث بكا وقال: هذه خشبة تحن إلى رسول الله فأنتم أحق أن تشتاقوا إليه، وروي أن بلالًا - رضي الله عنه - كان يؤذن بعد وفاته وقبل دفنه فإذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ارتجَّ المسجد بالبكاء والنحيب، فلما دفن ترك بلال الأذان وخرج إلى الشام.
لقد أظلمت الدنيا في أعين الصحابة، فما قيمتها وقد أفل نجمها، وغابت شمسها، لقد كان لهم أبًا رحيمًا، ومعلمًا شفيقًا، ومربيًا حريصًا.
ولئن رحمت فأنت أمٌّ أو أبٌ
هذان في الدنيا هما الرحماءُ
لقد عاشوا معه أجمل الأيام، وأروع الأوقات وأحلى الذكريات.