فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 14

يقول القرطبي في «التذكرة» : «وقوله عليه الصلاة والسلام: «الكَيِّسُ مَن دَان نفسه» ؛ «دان» : حاسب، وقيل: ذل. قال أبو عبيد: «دان نفسه» : أذلها واستعبدها، يقال دنته أدينه، إذا ذللته فيذل نفسه في عبادة الله سبحانه وتعالى، عملًا يعده لما بعد الموت، ولقاء الله تعالى، وكذلك يحاسب نفسه على ما فرط من عمره، ويستعد لعاقبة أمره، بصالح عمله، والتنصُّل من سالف زَلَلِه، وذكر الله تعالى وطاعته في جميع أحواله. فهذا هو الزاد ليوم المعاد. والعاجز ضد الكيس، والكيس: العاقل، والعاجز: المقصر في الأمور، فهو مع تقصيره في طاعة ربه، واتباع شهوات نفسه متمن على الله أن يغفر له. وهذا هو الاغترار فإن الله تعالى أمره ونهاه، وقال الحسن البصري: «إن قومًا ألهتهم الأماني [المغفرة] حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أُحْسِن الظن بربي. وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل» وتلا قوله تعالى: { وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ }

[فصلت: 23] , وقال سعيد بن جبير: «الغرة بالله أن يتمادى الرجل بالمعصية، ويتمنى على الله المغفرة» .

ومما لا شك فيه «أنَّ ذِكْرَ الموت يورث استشعار الانزعاج عن هذه الدار الفانية، والتوجه في كل لحظة إلى الدار الآخرة الباقية؛ ثم إن الإنسان لا ينفك عن حالتي ضيق وسعة، ونعمة ومحنة، فإن كان في حال ضيق ومحنة، فذكر الموت يسهل عليه بعض ما هو فيه، فإنه لا يدوم، والموت أصعب منه، أو في حال نعمة وسعة فذكر الموت يمنعه من الاغترار بها، والسكون إليها، لقطعه عنها» .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت