هذا اللون من البطولة مدفون تحت جدران التاريخ الإسلامي القائم إلى اليوم، وما يقوم للإسلام صرح ولا ينكسف عنه طغيان إلا بهذه القوى المذخورة المضغوطة في أفئدة الصديقين والشهداء.
من سر هذا الإلهام؟ من مشرق هذا الضياء ؟ من مبعث هذا الاقتدار؟ إنه محمد، إنه هو الذي ربى ذلكم الجيل الفذ، ومن قلبه الكبير أترعت هذه القلوب، تفانيا في الله وإيثارا لما عنده. [1]
دروس وعبر من مواقف الأم الطيبة أم سعد:
جاء في المغازي للواقدي أن أم سعد بن معاذ كبشة جاءت يوم أحد تعدو عندما وضعت الحرب أوزارها نحو رسول الله ، ورسول الله واقف على فرسه ، وسعد بن معاذ آخذ بعنان فرسه، فقال سعد: يا رسول الله أمي.فقال رسول الله: مرحبا بها. فدنت حتى تأملت رسول الله فقالت: إذ رأيتك سالما فقد أشوت [2] المصيبة، فعزاها رسول الله بعمرو بن معاذ ابنها. [3]
قلت: لا إله إلا الله، هذه امرأة فقدت ابنها وفلذة كبدها فما اكترثت لذلك ولا حزنت، وهي تتفقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتسأل عنه.
قمة في الحب، وقمة في التضحية، وقمة في نسيان الذات والأهل والأحباب.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين. [4]
(1) 1 فقه السيرة ص 283.
(2) 2 أي صارت صغيرة خفيفة.
(3) 3 المغازي للواقدي (1/315-316) وانظر السيرة الحلبية (2/47) .
(4) 4 أخرجه أحمد (3/177) ، والبخاري (1/80/15) ، ومسلم (1/67/44) ، والنسائي (8/488-489/5028-5030) ، وابن ماجه (1/26/67) .