نحن قلنا: الأمة مرت بمرحلة انبهار، أعقبتها مرحلة استعمار كرّس فيها المستعمر طاقته وجهده على تغريب الأمة ودحرها وتحطيم معنوياتها، وتحطيم كل ما هو قائم مما يصلح أن ينتفع به أو يبنى منه حضارة، حطم أخلاقها، حطم عقائدها، أراد أن يمسخهم في شخصيته، وأن يذوبوا في أحضانه، هذا الذي كرسه الاستعمار، حينما خرج من بلاد المسلمين ماذا فعل؟ ما هي الحضارة التي أقامها؟
لا شيء، إنما حطمهم وابتزهم إلى النخاع، كانت بعثات تذهب هناك، تذهب بكميات هائلة، وجدت مدارس الإرساليات التنصيرية في بلاد المسلمين، في الشام وفي غيرها كتركيا، ومصر، وأندونيسيا، وفي بلادٍ كثيرة من بلاد المسلمين، فخرَّجت الكثيرين ممن يفكرون بعقولهم.
في هذه المرحلة بدأ يتحرك بعض الغيورين، وأرادوا أن يعيدوا الأمل في نفوس المسلمين الذين تحطمت نفوسهم ليقولوا لهم: إن هذه الحضارة التي انبهرتم بها موجودة في القرآن، وإن في القرآن من الآيات والنصوص ما يدل على هذه المكتشفات التي ننظر إليها ونحن -في تصنيفهم- في طائفة المتفرجين الذين لا يسمعون عنها إلا بعد تطاول السنين، لا يسمعون عنها حتى تصدر أو تنتجها أبحاثهم وأفكارهم، فليس لنا منها إلا السماع بعد أزمنة متطاولة، فأرادوا أن يقولوا لهم: لا؛ فأنتم إن لم تستطيعوا اكتشاف هذه الأشياء -أيها المسلمون- ولكنكم في الواقع تجدونها مرصودة في كتاب الله -عز وجل- دل عليها قبل أكثر من أربعة عشر قرنًا.
انطلقوا من هذا المنطلق وأرادوا أيضًا جذب غير المسلمين إلى الإسلام، وبالذات الغربيين، يعني أرادوا أن يقولوا للمسلمين: لا تنزعجوا، لا تتشككوا في كتابكم، لا تتخلوا عن دينكم، فهذا القرآن يحتوي على هذه الأشياء، وأنتم -أيها الغرب- الذين امتلأتم غرورًا من اكتشاف هذه الأمور، فهي موجودة عندنا في كتابنا، فهذه دعوة لهم إلى الإسلام.