إذا نظرنا إلى المتقدمين الذين تلقّفوا كثيرًا من هذه الأشياء وأدخلوها في كتبهم سواء أدخلوها على سبيل القبول حينما تعرض آية في كتاب الله -عز وجل- تتحدث عن الفلك -مثلًا- تتحدث عن القمر والشمس {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا} [ (38) سورة يس] ، يأتون ويذكرون ما عندهم من هذه الأشياء في هذا الموضع، كثير من هؤلاء كانوا حينما يعرضونها يعرضونها على أنها تابعة لكتاب الله -عز وجل- وأن القرآن أصل في هذا الباب، وأن هذه مما تكشف عن معناه وتزيده إيضاحًا، فأدخلوا فيه أشياء لا حاجة إليها. وحينما نقول: لا حاجة إليها، لا نقصد أننا لسنا بحاجة إلى علم: الفيزياء أو الرياضيات أو الجبر أو الهندسة أو بعض علوم الفلك المفيدة للمسلمين لا نقصد هذا، لكن نقول: لا حاجة إليها لفهم القرآن، هذا هو المراد وإلا فيجب على المسلمين أن يتعلموا ويحصلوا هذه العلوم النافعة، وأن ذلك من فروض الكفايات، تأثم الأمة بتركها، كل قادرٍ مؤهل على تحصيلها يأثم إن وجد العجز عن المسلمين في شيءٍ من هذه العلوم، ولا يمكن أن تبنى حضارتهم إلا باجتماع أمرين: عمارة الدنيا بهذه الأشياء من العلوم التي تكون أسبابًا للقوة، والأمر الآخر هو القيام بأمر الله -تبارك وتعالى- واتباع شرعه والارتباط به والركون إليه، لا بد من الأمرين مهما تدين الناس وصلحت أحوالهم مع الله -عز وجل- لا يمكن أن تقوم لهم قائمة في الدنيا وعمارة وحضارة ما لم يأخذوا بهذه العلوم، وهذا أمر مفروغ منه، وأرى أن من الحاجة أن أذكره؛ لأننا نخشى أن يفهم البعض أننا نريد من الناس أن يعودوا إلى عصور الجمال والبغال ويتركوا هذه العلوم، لا أحد يقول بهذا، لا أعرف مخلوقًا يقول بهذا، لكن هل هذه العلوم ضرورية لفهم القرآن؟
فالجواب: لا؛ لأنها لو كانت ضرورية لحصلت مشكلات لا تخفى.