هذه القضية ليست جديدة، بل هي قديمة، مضى عليها قرون متطاولة، ونستطيع أن نقول بكل اطمئنان: إنها كانت موجودةً عند بعض الكاتبين والمؤلفين قبل عصر النهضة في أوروبا، أي أنها وجدت عند المسلمين في وقت قيام حضارتهم، وأوروبا كانت تعيش فيما يسمى بعصور الظلمات، وحينما ترجمت كتب اليونان إلى المسلمين في عهد المأمون، تُلُقِّفت هذه الكتب، وهي كتب متنوعة في الفلسفة والمنطق والفلك والطب وما إلى ذلك، فالحاصل أن هؤلاء اللذين تلقفوها منها أشياء مقبولة وصحيحة ومنها أشياء فاسدة كالفلسفة والمنطق اليوناني وما إلى ذلك، فأخذوها وترجموها ثم ذاعت وانتشرت كما أشرت بالأمس، وجاء من يقول بأن العالم لا يبلغ رتبة الاجتهاد حتى يتحقق من هذه العلوم -العلوم الكلامية والمنطق- وجاء من يقول: لا يوثق بعلم من لم يتحقق من هذه العلوم، ولا يمكن أن يبلغ رتبة الاجتهاد حتى يحصلها، فاستفز ذلك العلماءَ فصاروا يتسارعون على أخذ هذه العلوم ودراستها وأدخلوها في تصانيفهم -في أصول الفقه في التفسير في شروح الحديث وفي مصطلح الحديث والبلاغة والنحو وما إلى ذلك- ولذلك تجدون صعوبةً في هذه العلوم، لماذا هذه الصعوبة؟ لأنها تشتمل على مصطلحات مأخوذة من كتب اليونان، حينما يقال: السبر والتقسيم، حينما يقال: القضية الحملية، حينما تذكر الجنس البعيد والجنس القريب والفصل والخاصة والرسم، هذا الكلام كله تجدونه في كتب أصول الفقه، وتجدون بعضه في البلاغة وفي النحو، وما إلى ذلك، كلامهم على المبتدأ والخبر تجدون في بعضه أشياء هي في الواقع من علم المنطق فصارت هذه العلوم صعبة، صار النحو صعبًا لا يحبه الطلاب وصارت البلاغة مغاليق، وصار أصول الفقه من أصعب العلوم بينما هي علوم ميسّرة وسهلة ولم تبلغ إلى هذا الحد.