فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 104

سيأتي تصريح جماعة يقولون: كل هذه العلوم موجودة في القرآن، فإذا عرفت ما سبق ستعرف بطلان ذلك، وبناءً على ذلك أيضًا نقول: يجب أن نقتصر في فهم القرآن على كل ما يضاف علمه إلى العرب خاصة، فبذلك يوصل إلى علم ما أودع فيه من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير الأداة التي يصح تطلبه بها فإنه يضل في فهمه، وهذه المعاني ذكرها الشاطبي -رحمه الله-.

والأمر الثالث: ينبني على ما سبق وقد ذكره الشاطبي أيضًا: أن العرب الذين نزل القرآن بلسانهم لهم عرف مستمر لا يصح العدول عنه في فهم الشريعة، فإذا لم نجد لهم عرفًا خاصًا فإننا نرجع إلى لغة العرب وننظر معنى هذا الكلام في كلام العرب الأولين.

ومن عادة العرب في عرفهم في كلامهم ومخاطباتهم أنهم يلقون الكلام على عواهنه، ما معنى يلقون الكلام على عواهنه؟

معناه: أنهم لا ينقِّرون في الكلام -لا يتكلّفون- ولذلك فإن الشاعر الجيد عندهم هو الذي يلقي القصيدة على البديهة بحسب المناسبة يحضر موقفًا من المواقف ثم بعد ذلك يصور مشاعره بشِعره، أما الشاعر الذي يكتب قبل ذلك ويحضر ويكتب ثم يعيد ويزيد وينقّح فما كانوا يستحسنون شعره وإن كان حسنًا في ظاهره، ولهذا كان الأصمعي يعيب على الحطيئة مع أن الحطيئة شاعر من نوابغ الشعراء، والأصمعي إمام من أئمة اللغة كان يعيب على الحطيئة ولا يستحسن شعره لماذا؟

يقول: وجدت شعره كله جيدًا فدلني على أنه كان يصنعه قبل ذلك، يحسّن في هذا الشعر، ويزيد ويحذف الكلمة وينقص -يحضر لهذا الشعر من قبل- ثم يلقي القصيدة، فما كانوا يستمدحون هذا الصنيع، بل من عادتهم أنهم يلقون الكلام على عواهنه.

وإذا كان الأمر كذلك فينبغي على أن من نظر في القرآن الذي نزل بحسب معهود الأميين في الخطاب أن لا ينقّر وهو يفسّر القرآن، فيحمل القرآن على تكلّفات لم يقصدها القرآن ولم تخطر على بال السامعين له من العرب الأقحاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت