وبالنظر المتأمل في الأمثلة الثلاثة المذكورة، وبمقارنتها بغيرها من أحاديث (( الجامع الصحيح ) )من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر، وأبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة، وابن سيرين عن عبيدة السلمانى عن على بن أبى طالب، والزهرى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس، وابن عيينة عن عمرو بن دينار عن جابر، وأضراب هذه الأسانيد التى هى الغاية في الصحة، يظهر بجلاء معنى ما قصدت إليه من اختلاف مراتب ودرجات (( الصحيح ) )، وتزول شبهة التردد في الحكم على الحديث الواحد بالتصحيح تارةً والتحسين تارةً، لا سيما عند من له إلمام يسير بدقائق هذا العلم العزيز، فيُحمل التحسين على أدنى مراتب الصحة؛ بينما يُحمل التصحيح على أعلاها.
وللحافظ ابن حجر تقسيم لمراتب الصحيح باعتبار الأسانيد ينبغى أن تعقد عليه الخناصر، فقد قال فى (( نزهة النظر ) ) (ص20) عند ذكر مراتب الصحيح: (( فما يكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التى توجب الترجيح؛ كان أصح مما دونه. فمن المرتبة العليا في ذلك:
الزهرى عن سالم بن عبد اللَّه عن أبيه ابن عمر.
وكمحمد بن سيرين عن عبيدة السلمانى عن على.
وكإبراهيم النخعى عن علقمة عن ابن مسعود.
ودونها في المرتبة:
بُريد بن عبد اللَّه بن أبى بردة عن جده عن أبى موسى.
وكحماد بن سلمة عن ثابت عن أنس.
ودونها في المرتبة:
سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة.
وكالعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبى هريرة.
فإن الجميع يشملهم اسم العدالة والضبط، إلا أن للمرتبة الأولى من الصفات المرجحة ما يقتضى تقديم روايتهم على التى تليها، وفى التى تليها من قوة الضبط ما يقتضي تقديمها على الثالثة )) اهـ.
فكان بيِّنًا في كلام الحافظ انقسام الصحيح إلى ثلاثة مراتب: صحيح في الدرجة الأولى، وصحيح في الدرجة الثانية، وصحيح في الدرجة الثالثة.