الصفحة 104 من 138

وقريبٌ من هذا التفصيل والبيان، ولكن فيه تخصيصٌ بالـ (( الصحيحين ) )؛ ما أجمله الحافظ الذهبى فى (( الموقظة ) ) (ص79) بقوله: (( من أخرج لهم الشيخان على قسمين:

أحدهما ما احتجَّا به في الأصول.

ثانيهما من خرَّجا له متابعة واستشهادًا واعتبارًا.

فمن احتجا به أو أحدهما، ولم يوثق ولا غمز، فهو ثقة، وحديثه قوى.

ومن احتجا به أو أحدهما، وتكلم فيه، فتارة يكون الكلام فيه تعنتًا، والجمهور على توثيقه، فهذا حديثه قوى، وتارة يكون الكلام في تليينه وحفظه له اعتبار، فهذا حديثه لا ينحط عن مرتبة (( الحسن ) )التى قد نسميها من (( أدنى درجات الصحيح ) ). فما في الكتابين بحمد الله رجلٌ احتج به البخارى ومسلم في الأصول، ورواياته ضعيفة، بل حسنة أو صحيحة. ومن خرَّجا له أو أحدهما في الشواهد والمتابعات، ففيهم من في حفظه شئٌ، وفى توثيقه تردد، فكل من خرَّجا له فى (( الصحيحين ) )فقد قفز القنطرة، فلا معدل عنه إلا ببرهان بيِّن )) اهـ.

ولمزيد الإيضاح لهذا التقسيم المعتبر عند المحققين، فلنضرب لذلك مثالًا بما أخرجه ابن خزيمة (2731) ، والحاكم (1/ 456) ، والبيهقى (( الكبرى ) ) (5/ 75) و (( شعب الإيمان ) ) (3/ 449/4030) جميعًا عن أيوب بن سويد الرملى ثنا يونس بن يزيد عن الزهرى عن مسافع بن شيبة الحجبى عن عبد اللَّه بن عمرو قال قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( الركن والمقام ياقوتتان من يواقيت الجنة، طمس اللَّه نورهما، ولولا ذلك لأضاءا ما بين المشرق والمغرب ) ).

فهذا الحديث صحيح على شرط ابن خزيمة، وقد أخرجه فى (( صحيحه ) )، وإسناده حسن، لا يرتقى إلى الصحيح عند من يُفرد الحسن من الصحيح، وعند من لا يفرده، ومنهم ابن خزيمة وابن حبان والضياء المقدسى، فهو صحيح من الدرجة الثانية إذا توبع؛ وهو كذلك، وصحيح من الدرجة الثالثة إذا لم يتابع.

وبيان ذلك أن رواته إلى يونس بن يزيد الأيلى ثقات مشاهير احتج بهم الشيخان فى (( صحيحهما ) )سوى مسافع بن شيبة، فإنما تفرد مسلم بالتخريج له، ولم يخرِّج له إلا حديثًا واحدًا، وهو حديثه عن عروة بن الزبير عن عائشة: أن امرأة قالت لرسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: هل تغتسل المرأة إذا احتلمت وأبصرت الماء؟، فقال: نعم، فقالت لها عائشة: تربت يداك وأُلَّت، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (( دعيها! وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك، إذا علا ماؤها ماء الرجل أشبه الولد أخواله، وإذا علا ماء الرجل ماءها أشبه أعمامه ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت