فهرس الكتاب

الصفحة 7 من 8

3 -تأتي البشارة المهمة في"وعد الآخرة"فقد كانت بنو إسرائيل ترغب في أن يكون علوها الكبير بهدم المسجد الأقصى فيأتي النص القرآني ليقول [وَلِيَدْخُلُوا المَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ] على الكمال والتمام وسلامة بيت الله من إيجافهم [كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ] بل وتبشر الآيات أن الهدم والتدمير سيكون لدولة بني إسرائيل لا للمسجد بفضل الله ومنته [وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا] فهل يملك نص من النصوص أن يصور هذه المعجزة كما جاءت في نص الإسراء هنا؟ فمن أين كان يقع في تصور العرب والمسلمين أن شذاذ الآفاق وقطاع الطريق سيصير لهم دولة ونفير وجيش وتقتيل يفسد في الأرض، من أين كان يقع هذا في خيال الناس؟ فإن كان قد وقع على قدر الله وقضائه كما وصفت الآيات فإن بقية الخبر واقعة لكن للمعجزة جند ورجال اختصهم الله بالعبودية لنفسه [ عِبَادًا لَنَا] فلا تكن كالذين قالوا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ].

4 -قول النبي صلى الله عليه وسلم:"مضطجعا بين النائم واليقظان"بينته رواية البخاري الأخرى"وتنام عينه ولا ينام قلبه"فقلبه صلى الله عليه وسلم في النوم واليقظة سواء، وعينه أيضا لم يكن النوم يتمكن منها فقوله صلى الله عليه وسلم محمول على ابتداء الحال، ثم لما خرج به إلى باب المسجد فأركبه البراق استمر في يقظته صلى الله عليه وسلم. وقد كان ابن عباس رضي الله عنه يقول [وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ] قال: شيء أريه النبي صلى الله عليه وسلم في اليقظة رآه بعينه حين أسري به إلى بيت المقدس.

5-كانت القدرة الربانية صالحة لأن يصعد بنفسه من غير براق ولكن ركوب البراق كان زيادة في تشريفه صلى الله عليه وسلم لأنه لو صعد بنفسه لكان في صورة ماش، والراكب أعز من الماشي وأكرم، والحكمة في الإسراء به راكبا مع القدرة على طي الأرض له إشارة إلى أن ذلك وقع تأنيسا له بالعادة في مقام خرق العادة لأن العادة جرب بأن الملك إذا استدعى من يختص به يبعث إليه بما يركبه، ولعل استصعاب البراق ركوب النبي محمد صلى الله عليه وسلم عليه شبيه رجفة جبل أحد فإنها هزة الطرب لا هزة الغضب ولا أدل على ذلك من حب أحد نبينا صلى الله عليه وسلم ومع ذلك رجف به فكم قال النبي صلى الله عليه وسلم عن أحد"هذا جبل يحبنا ونحبه"والله تعالى أعلم.

6-"فلما جاوزت بكى فقيل ما أبكاك؟ قال: يارب هذا الغلام الذي بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أفضل مما يدخل من أمتي"إن الله جعل الرحمة في قلوب الأنبياء أكثر مما جعل الرحمة في قلوب غيرهم، لذلك بكى رحمة لأمته، وقال العلماء: لم يكن بكاء موسى حسدا وإنما كان أسفا على ما فاته من الأجر الذي ترتب عليه رفع الدرجة بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزم لتنقيص أجره لأن لكل نبي مثل أجر كل من تبعه، ولهذا كان من اتبعه من أمته في العدد دون من اتبع نبينا صلى الله عليه وسلم مع طول مدتهم بالنسبة لهذه الأمة.

7 -"ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف، فإني والله قد جربت الناس قبلك، وأنا أعلم بالناس منك! عالجت بني إسرائيل أشد المعالجة". الدلالة على الاستفادة من تجارب الأمم واضحة، فإن نبينا صلى الله عليه وسلم لم يترك رأي موسى عليه السلام وإنما رجع لقوله مستشيرا جبريل عليه السلام"فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم إلى جبريل كأنه يستشيره في ذلك فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت فعلا به إلى الجبار". وبذل النصيحة لمن يحتاج إليها وإن لم يستشر الناصح في ذلك دين، والتجربة أقوى في تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، يستفاد ذلك من قول موسى عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم أنه عالج الناس قبله وجربهم. وقبول النبي صلى الله عليه وسلم استشارة موسى عليه السلام دليل على فضل محمد صلى الله عليه وسلم وذلك أنه رجع لقوله وهو دونه في الفضل.

8-"ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى في أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان ونهران ظاهران فسألت جبريل فقال: أما الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران: النيل والفرات"قال النووي: في هذا الحديث أن أصل النيل والفرات من الجنة وأنهما يخرجان من أصل سدرة المنتهى ثم يسيران حيث شاء الله ثم ينزلان إلى الأرض ثم يسيران فيها ثم يخرجان منها وهذا لا يمنعه العقل وقد شهد به ظاهر الخبر فليعتمد فالأمر دين والتسليم للخبر خير من إعمال العقل فيه.

9 -"فجاءني جبريل عليه السلام بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل"فقال اشرب أيهما شئت فأخذت اللبن فشربته فقال جبريل: اخترت الفطرة التي أنت عليها وأمتك الحمد لله الذي هداك للفطرة". الفطرة دين الإسلام والسر في ميل النبي صلى الله عليه وسلم إلى اللبن دون غيره لكونه مألوفا له ولأنه لا ينشأ عن جنسه مفسدة والصواب أن يقال: ذلك توفيق الله رسوله صلى الله عليه وسلم ."

10 -"فيستبشر به أهل السماء"فيه استحباب تلقي أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء فكأنهم أعلموا أنه سيعرج به فكانوا مترقبين لذلك.

11 - [إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلَامُ] وغيره الكفر المردود مهما كانت التسميات ولهذا كانت رحلة الإسراء والمعراج رحلة مختارة من اللطيف الخبير، رحلة تربط عقيدة التوحيد الكبرى من لدن إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام إلى محمد صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين، وتربط الأماكن المقدسة لدين التوحديد برباط واحد وكأنما أريد بهذه الرحلة إعلان وراثة رسالته بها جميعا فهي رحلة ترمز إلى أبعد من حدود الزمان والمكان وتشمل آمادًا وآفاقا أوسع من الزمان والمكان وتتضمن معاني أكبر من المعاني القريبة التي تتكشف عنها للنظرة الأولى.

12-"لما كانت ليلى أسري به وأصبحت بمكة فظعت بأمري وعرفت أن الناس مكذبي فكربت كربة ما كربت مثله قط"هذا أمر يصيب الناس في مواقف الشدة وقد حكى لنا القرآن الكريم وقوعه لسيدنا موسى حين تحدى فرعون بما آتاه الله من آيات [فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى] وكما قال الله تعالى لموسى [قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعْلَى] جلا لمحمد صلى الله عليه وسلم بين المقدس وكشفه وأظهره"فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه". ولله تعالى سنة مع رسله والدعاة لدينه [إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ] .

13-"هل تستطيع أن تنعت لن المسجد؟"فذهبت أنعت"فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب"إذا فلماذا التكذيب؟ ولم يبلغ الأذى هذا الحد؟"فمن بين مصفق ومن بين واضع يده على رأسه متعجبا للكذب، زعم"! ويقول بعض من آمن من قبل:"نحن نصدق محمدا بما يقول! فارتدوا كفارا فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل". قد يبدو للجاهلية أن تسمع وأن تطلب الأدلة نعم فد تفعل هذا فيظن الكرام أنها على الجادة فيما تقول فيذهب في القول ويطيل في التفصيل ويأتي بالأدلة ثم يجد فجأة جوابا واحدًا لدى الجاهلية في كل زمان يتصدر وسائل الإعلام وطرائق البث في كل الأوقات"نحن نصدق محمدًا بما يقول!!". وفي هؤلاء المكذبين ممن ارتدوا عن دينهم تكذيبا للنبي صلى الله عليه وسلم ومن كان على شركه فازداد تكذيبا نزل قوله تعالى [وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ] .

14-ذهب معظم السلف والخلف أن الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم كان بروحه وجسده يقظة إلى بيت المقدس ثم السماوات وهو الحق والصواب لا يجوز العدول عنه ولا حاجة إلى التأول وصرف هذا النظم القرآني وما يماثله من ألفاظ الأحاديث إلى ما يخالف الحقيقة، ولو كان ذلك مجرد رؤيا كما يقوله من زعم أن الإسراء كان بالروح فقط لما وقع التكذيب من الكفرة للنبي صلى الله عليه وسلم عند إخباره لهم بذلك حتى ارتد من ارتد مع أن الإنسان يرى في نومه ما هو مستبعد ولا ينكر ذلك أحد.

خامسًا: وفاة خديجة رضي الله عنها:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبر والعظات:

1-يذكر الكثيرون أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى تلك السنة التي توفيت فيها خديجة"عام الحزن"ولم يرد في خبر صحيح قط أن النبي صلى الله عليه وسلم سمى ذلك العام بهذه الكلمة ولم يذكر الأئمة المحققون تسمية الحديث"بعام الحزن"كالإمام ابن اسحاق وهو عمدة أهل السير، وابن الجوزي في المنتظم، وابن الأثير في التاريخ، والإمام الذهبي في سيرته، وغيرهم ممن يعتد بهم من أهل العلم.

2-أشتهر بين الناس حديث النبي صلى الله عليه وسلم أن عائشة قالت استأذنت هالة بنت خويلد أخت خديجة على رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرف استئذان خديجة فارتاح لذلك فقال:"اللهم هالة بنت خويلد"فغرت فقلت وما تذكر من عجوز من عجائز قريش حمراء الشدقين هلكت في الدهر فأبدلك الله خيرا منها"وهو من رواية الصحيحين لكنهم يروون معه زيادة"ما أبدلني الله عز وجل خيرا منها قد آمنت بي إذ كفر بي الناس وصدقتني إذ كذبني الناس وواستني بمالها إذ حرمني الناس ورزقني الله عز وجل ولدها إذ حرمني أولاد النساء"وهذه الزيادة شاذة."

سادسا: دعوة النبي صلى الله عليه وسلم أهل الطائف:

الحدث: عن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد قال:"لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني فقال إن الله قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم فناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال يا محمد فقال ذلك فيما شئت إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فقال النبي صلى الله عليه وسلم بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبر والعظات:

1-يتفق الحديث مع منهج النبي صلى الله عليه وسلم في الدعوة فقد كانت الجاهلية تكيل له الأذى وهو لا يزداد إلا دعاء لهم بالخير والهداية يقول أبو هريرة رضي الله عنه قدم الطفيل بن عمرو على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله إن دوسا قد عصت وأبت فادع الله عليها فظن الناس أن يدعو عليهم فقال:"اللهم اهد دوسا وأت بهم"، وقال جابر قالوا يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم فقال صلى الله عليه وسلم"الله اهد ثقيف". إن حديث النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الطائف مشعر بأن المسلم لا يعادي الناس ابتداء ولا يحمل عليهم فهمه الدعوة والرسالة فلا ينشغل بالدعاء عليهم فجل غايته صلى الله عليه وسلم الدعوة إلى الدين بالصورة التي يحبها الله تعالى ويرتضيها [ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالحِكْمَةِ وَالمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ] .

2 ـ يقفنا رفض النبي صلى الله عليه وسلم دعوة ملك الجبال على معاني الرحمة المهداة، ففيه بيان شفقة النبي صلى الله عليه وسلم على قومه ومزيد صبره وحلمه، وهو موافق لقوله تعالى [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ و] [وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ] ومجيء ملك الجبال إلى النبي صلى الله عليه وسلم في لحظة الشدة يكفي لأن يتأسى النبي صلى الله عليه وسلم بنوح عليه السلام فيقول [ لَا تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا] لكنه محمد صلى الله عليه وسلم الذي يستعلي على الجراح ويتنزه عن الانتقام ولا يجد إلا الكلمة الحسنة"اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"فيفتح للمسلمين بعده باب المسامحة والعفو الحسن رجاء أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئا.

3-"عرضت نفسي على ابن عبد ليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت"فيذكر اسمه كأنما هو حاضر يسمعه دون لمز أو أذى بأدب نبوي كريم يحسن التذكير به لكي يأخذ دوره في حاية المسلمين اليوم. إن كثيرا من الناس ممن يقع عليه ظلم أو أذى يسمح لنفسه أن يخوض في ظالمه كيف يشاء وهذا لا يدل على خلق ودين فإن نبينا صلى الله عليه وسلم يذكر الرجل وهو كافر مات على كفره دون أن يلحقه لمز أو أذى، ولا يبعد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد من هذا الأدب أيضا ألا يساء آل هذا الرجل ممن أسلم بهذه السبة والله تعالى أعلم.

4-"فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب"في صورة محزنة أليمة لم تفصلها صحاح الأحاديث لكن وصفتها الروايات التي لا تخلو من ضعف بأنهم قد أغروا سفهاءهم وعبيدهم بالنبي صلى الله عليه وسلم فقذفوه بالحجارة حتى أدموه، بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم بل بالناس أجمعين.

سابعا: دعوة الحجيج والعرب في أسواقها:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبر والعظات:

1-كيف يمكن لأمة أن تقرأ سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ثم تكون كما هي علي اليوم من هوان وذلة وقعود؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي بين الرجال يطوف على المنازل يدعو الناس جهارا ثم يسر إسرارا وينادي في المواسم ليلا ونهارا.

2ـ إنك لتلمس الجاهلية في صورتها الممقوتة المعاصرة، فتأمل ما قد يفعل بالنبي صلى الله عليه وسلم وقد علمت أنه ما من هوان وإنما هي سنن الأنبياء والمرسلين فأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول:"إن هذا قد غوى ورسول الله صلى الله عليه وسلم يفر منه وهو على أثره"ويخوفون الناس:"احذر غلام قريش لا يفتنك". ثم انظر الى تلفاز يكذب وجرائد تقذف وإذاعات تفتري تساوي البقل بالنخل والزيتون بالغرقد [فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ] وادع ولا تلتفت لما يشاغلك به أبو جهل وأبو لهب وادع عشرات السنين فإن العاقبة للمتقين وتتبع الناس في منازلهم واعلم أنها موسم عما قريب ينفض فلا تضع فرصة الدعوة لدين الله.

ثامنا: بيعقة العقبة الأولى والثانية:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبر والعظات:

1-يقول عبادة:"كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا اثنى عشر رجلا فبايعنا"ويقول جابر:"شهد بي خالاي العقبة"ويقول كعب:"ولقد شهدت مع النبي صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين تواثقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر". بهذه الكلمات يصدر الصحابة حديثهم ويبدؤنه فيؤرخون للرسالة ويذكرون التفاصيل ويحمدون الله على النعمة فيذكرون حضورهم ومشاهدتهم، فهذا فقه سلف الأمة لا يجدون حرجا من ذكر فضائلهم والتحديث بمناقبهم ونقل تجاربهم لمن بعدهم شرط ذلك كله الصدق والإخلاص، فإخلاص العمل لله سنام الأمر كله.

2-"ثم ائتمروا جميعا فقلنا: حتى متى نترك رسول الله صلى الله عليه وسلم يطرد في جبال مكة ويخاف فرحل إليه منا سبعون رجلا"إنها حضارة أمتنا تسبق كل الناس يعقدون المؤتمر جميعا فلا يفوت الخير أحدا، يستوي في حضوره الأحرار والعبيد، ويتخذون قرارا بالإجماع ثم ينفذونه.

3-"حتى قدموا عليه في الموسم"في ركب لا يثير الجاهلية فتستأصلهم، فتصير سنتهم ألا يشعلوا النار أو يسعروها فلسنا"دعار طيئ الذين قد سعروا البلاد"فلا نفتعل الصراع أو نستشرفه.

4-"حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله صلى الله عليه وسلم نتسسلل مستخفين تسلل القطا من رجل ورجلين"مؤثرين سلامة الناس بعامة لا عن عجز وقعود.

5 -"فوالذي يعثك بالحق لئن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لم أؤمر بذلك"فلكل أمة أجل، فالموعد بدر والخندق والساعة أدهى وأمر."

6-التربية الأمنية: أ ـ تكاد تلمس أن الجاهلية لم تكن غافلة عن كثير مما يجري في موسم الحج فتبث عيونا وروادا يرفؤونها بالخبر ويتعسون على محمد صلى الله عليه وسلم وصحبه فلذلك كله كانت حيطته وحذره فيأمر أصحابه أن يعودا إلى رحالهم، ثم تجيء قريش فتقول:"يا معشر الخزرج إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا وتبايعونه على حربنا"فيكون الحدث درسا يعلمنا أن الحفظ والرعاية لا تكون بالأسباب تتخذ وإنما هي رعاية الله والتوكل عليه، نعم إن الله تعالى يأمر بالأخذ بالأسباب لكن لا يأمر باتخاذها والتوكل عليها.

... ... ب ـ الأمم والشعوب لا تكاد تتوقف عن متابعة الأمم الأخرى"قلب الشام ظهرا لبطن حتى تأتي برجل من قوم هذا أسأله عن شأنه"فليكن سر المسلمين في أيدي كبار ثقاتهم لا يطلعون عليه الناس فإنه مهما بالغ النبي صلى الله عليه وسلم في الاحتياط حتى كان الاجتماع ليلا في شعب خال بعيد، بلغ الخبر قريشا.

7 -اجتمع الصحابة بالشعب من الرجال والنساء سبعون رجلا وامرأتان من نسائهم نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو. ولم لا فالنساء شقائق الرجال، شقيقة روحه تشاركه العمل على قدم المساواة وتمضي معه في الطريق الناهج الطويل تحمل هم الدين والرسالة وتسير بالدعوة في الأرض تطير معه وراء كل هيعة منذ بايعت نسيبة بنت كعب وأسماء بنت عمرو إلى أن خرجت أم سليم رضي الله عنها مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحد مرورا بأم حرام ابنة ملحان رضي الله عنها تمتطي"ثبج هذا البحر ملوكا على الأسرة"وانتهاء بكل كريمة تقف في صف جند الله تعالى تطاول السحاب حتى تبلغ المنى، فكم سجلت المرأة المسلمة بأحرف من نور مواقف تشهد بما كانت تتمتع به المرأة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من رجاحة عقل وحسن رأي وتقدم في المواقع، فالمراة ترى الرأي الحكيم في أشد الظروف حلكة مثلها مثل الرجل سواء بسواء، و"شهدت نسيبة بنت كعب بيعقة العقبة مع زوجها، وبايعت ليلتئذ وشهدت أحدا مع زوجها وشهدت بعية الرضوان وشهدت قتال مسيلمة مع ولدها حبيب وجرحت يومئذ اثنتى عشرة جراحة وقطعت يدها وقتل حبيب"فحذار من اصطحاب المرأة في مثل هذه المواطن بلا محرم، فقد كانت في كل مرة مع زوجها أو محارمها.

8-"فاعترض القوم أبو الهيثم بن التيهان، فقال: هل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟"كم يذكرنا هذا الحوار بالسياسيين من الزعماء والحكام والحزبيين، كم يذكرنا بوعود عوج يسخى بها ويجاد ساعة الحاجة للناس على نية الخلف المبيتة ثم يؤذى الناس ويتنكر لهم. وجاءت ساعة الوفاء"أولا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم الى بيوتهم وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم أنا منكم وأنتم مني".

9-"فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم"ما أروع هذه الابتسامة النبوية في أحلك ظرف وأشده في ليل بهيم وشعب وضيم تتفتح الشفاه عن ابتسامة لا يحجبها كلكل الليل وهوله فتكون في قلب الصحابة بلسما ما عانوا وما كانوا. وتبدو من الصحابي لحظة حرص وأثره فيجد ابتسامة النبي صلى الله عليه وسلم دواء وشفاء فقد"دلي جراب من شحم يوم خيبر فأتيته فالتزمته ثم قلت: لا أعطي من هذا أحدا اليوم شيئا، قال: فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يبتسم إلي فاستحييت منه". فكانت دواء التنزه عن خوارم المروءة فاستحيا من فعله ذلك ومن قوله معا رضي الله عنه.

10-"أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا يكونون على قومهم فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس"هذا معلم مهم، فلا يصح أن يترك الناس هملا لا هداه لهم يقومون عليهم فيعلمونهم ويبصرونهم ويصلونهم بالنبي صلى الله عليه وسلم. ومراعاة النبي صلى الله عليه وسلم أن يكونوا من الأوس والخزرج درس في مراقبة أحوال الناس والسعي فيما يعينهم على الطاعة فإن الأوسيين لم يكونوا ليرضوا أن يكون أمراؤهم ونقباؤهم من الخزرج وفي الناس في كل عصور أمور لا يصح تجاوزها فإن تخطيها يخمد نارها للحظة ثم يشتعل الفتيل.

11-"وما أحب أن لي بها مشهد بدر"لماذا وبدر في الناس أذكر؟ ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أخذت وأعطيت"فبايعناه فأخذ علينا، ويعطينا الجنة. فهل رأيت قط بيعة كهذه؟ وهل هي ما قال الله تعالى وعنى؟ [إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] هي بيعة مع الله ألا يبقى بعدها للمؤمن شيء في نفسه ولا في ماله يحتجزه دون الله ودون الجهاد في سبيله لتكون كلمة الله هي العليا وليكون الدين كله لله.

الوحدة الخامسة

الهجرة وبناء الدولة

ثامنا:الهجرة إلى المدينة المنورة:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبر والعظات:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت