4 ـ تشي سورة الكافرون بأن الجاهلية كانت ترغب في مبادلة النبي صلى الله عليه وسلم دينا بدين، وما من مؤمن يقرأ قوله تعالى [وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا] إلا وتخيل قريشا وهي تلوي أعناق الحقيقة لتصل إلى مآربها في حرف النبي صلى الله عليه وسلم عن الهدى. ولقد يلتبس على الدعاة حال الجاهلية فيصدقون أنهم حقا قد اتخذوك خليلا، فيرى أن الوقوف في نصف الطريق محتمل وأن المخاللة والمصادقة تصير خطوة في طريق عود الناس عن الانحراف فيأتي موقف النبي صلى الله عليه وسلم من قريش ومعسول كلامها ولين جانبها أحيانا ليدلل أن لا مجال للترقيع فلا أنصاف حلول ولا التقاء في منتصف الطريق مهما تزيت الجاهلية وتزينت، أو ادعت الإسلام واتخذته عنوانا والنص القرآني الكريم يشير إلى هذه المحاولات وتأتي السنة لترسم طريق المسلم إزائها ، روى عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه قال:"جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي مسجدنا فانهه عن أذانا. فقال: يا بن أخي: إن بني عمك يزعمون أنك تؤذيهم في ناديهم وفي مسجدهم فانته عن ذلك، فقال: فحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره إلى السماء فقال: أترون هذه الشمس قالوا: نعم قال:"ما أنا بأقدر على أن أدع لكم ذلك على أن تستشعلوا لي منها شعلة". فقال أبو طالب: ما كذب ابن أخي فارجعوا."
5 ـ تقرأ كلام الجاهلية:"إن ابن أخيك يؤذينا في نادينا وفي مسجدنا"فتعجب من حالها إذ تسمي الحق أذى، وتصف محمدًا صلى الله عليه وسلم بالمؤذي، وأين؟ في نادينا وفي مسجدنا، فالنادي لهم، حتى المسجد لهم!! أرأيت كيف يحتكرون المؤسسات؟ ويصادرون الإمكانات، فإن كان ابن أخيك حاضرًا تلك الأماكن فليعلم أنه"في نادينا وفي مسجدنا". إنها الجاهلية المعاصرة تحتكر وتصادر وتمنع وتقمع وتقف في سبيل كل كلمة وتسمي الداعية إرهابيًا رجعيًا وأصوليا متطرفا كما كانت الجاهلية الأولى تفعل فتسمي النبي صلى الله عليه وسلم مذمما. والجاهلية التي تملأ الكون سبابا وشتما تتهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يسبها ويشتمها فتقول:"يا أبا طالب ابن أخيك يشتم آلهتنا يقول ويقول ويفعل ويفعل فأرسل إليه فانهه".
6 ـ"يا عم إنما أني إنما أريدهم على كلمة واحدة تدين لهم بها العرب وتؤدي إليهم بها العجم الجزية. قالوا: وما هي نعم وأبيك عشرا؟ قال: لا إله إلا الله. قال فقاموا وهم ينفضون ثيابهم وهم يقولون: أجعل الألهة إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب!!". هي كلمة لكن لا كالكلمات، إنها كلمة التقوى تواجه الذين جعلوا في قلوبهم حمية الجاهلية إنها الكلمة الطيبة التي ضرب الله مثلا [أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ] . هي الكلمة التي تقف في وجه الكلمة الخبيثة وتكابدها تحتى تجتث وتزول. هي والله الكلمة التي تنزل السكينة على رسول الله وعلى المؤمنين في أشد الظروف وأحلكها، فهل كانت قريش تدرك ما تفعل وهي تصد تلك الكلمة وتعاديها؟ وهل الجاهلية المعاصرة اليوم وهؤلاء الجاثمون على القلوب والأفئدة يدركون انهم بصدهم هذه الكلمة إنما يصدفون عن حق وحضارة وجيش وفكرة وعلم وتقوى أن أنهم لا زالوا يرددون:"أجعل الألهة إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب!!. إي والله فإن حال الجاهلية هذا لشيء عجاب!! فقد كان قرب ابي طالب موضع رجل فوثب أبو جهل فجلس في ذلك المجلس، أرأيت: حتى هذه لا تدعك الجاهلية تصل إليه حتى تسابقك وتأخذه دونك فإياك إياك."
رابعًا: الهجرة إلى الحبشة:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1 ـ تستوي الحبشة حضاريا مع فارس والروم فحين يكاتب النبي صلى الله عليه وسلم تلك البلاد يكاتبها فيكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشي، وتساوي العرب بين النجاشي وكسرى وقيصر فيقول العربي: لقد وفدت على الملوك ووفدت على قيصر وكسرى والنجاشي. وتدل النصوص على أن تواصلا حضاريا قويا كان بين الحبشة والدول القريبة والبعيدة فترى السفن مواخر بن الروم والحبشة تنقل الناس والبضائع في سفن تتسع لنحو ستين راكبا بل تحتمل أن تضع أم جميل ولدها محمدا في السفينة في طريق الهجرة إلى الحبشة. وفي الحبشة كنائس ومبان وكتاتيب تشير إلى كثرة العمار والبناء، وهو بناء مزخرف منقوش مرسوم. وفي الحبشة نظام سياسي شوري ترى فيه النجاشي لا يقطع أمرًا حتى يجمع البطارقة والقساوسة فيشاورهم ويأخذ رأيهم، كما لم يكن يصدر حكما في قضية خصم حتى يسمع الخصم الآخر كما فعل مع جعفر في عدالة لا تكاد تجد لها مثيلا. فهذه الحبشة التي رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنها تصلح أرضًا لهجرة أصحابه، رغم المفارقة في اللسان والمباعدة في الأوطان بتواصلها مع الأمم والشعوب وعدالة حكامها وعمله بالشورى وعمارتها وبنيانها واحترامها للمواثيق وهي مميزات الدول التي يمكن أن تكون صالحة للمعاهدة مع المسلمين في كل زمان والله تعالى أعلم.
2 ـ"لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه"تقول أم سلمة:"أمنا على ديننا وعبدنا الله"هذه شارة الخير وعلامته أن تأمن على دينك فتسلم فأن تبتلى في المال والجسد والأهل والولد ثم تجد دينك سالما فتحمد الله على سلامة الدين والإيمان، فذلك خير الدنيا والآخرة ولك سلف به تهتدي وبسننه تحتذي [إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ العَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ] فالأمن الذي يمتن الله به على الناس أمن العبادة والصلاح، فهل يتحقق الأمن للناس إلا بعبادة الله والرجوع إليه؟ وهذه حياة الأمم في صفحتها المنظورة والمطمورة تنبيك بالفرق بين من أعرض عن ذكر الله فصارت معيشته ضنكى وبين من يعمل فيحيى حياة طيبة [وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ] ولعل الأمة المسلمة اليوم تدرك سر شقوتها وتعلم كم جنت يد المجرمين المتسلطين على الشعوب فيغوونهم ويمرغون أنوفهم في وحل يهود ويملأون الدنيا بالفسق والعربدة ويدخلون الشذوذ والفسوق والعصيان غرف الناس المغلقة ويساهمون في الخنا ثم بعد ذلك يتساءلون عن سبب الضياع والذلة والصغار وذهاب الهيبة بين الأمم.
3 ـ الحبشة التي نزلها الصحابة الكرام كانت بالأمس القريب تقود الفيل لتهدم البيت فتقفها الطير الأبابيل، ثم يتغير حال الحبشة ويصير حاكمها رجلا صالحا بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يموت الرجل الصالح ويتولى الحبشة بعده نجاشي آخر لا يرعى الدين أو الذمة يدعى إلى الله تعالى فلا يجيب. الحبشة التي هذا وصفها ـ لا يظلم عنده أحد ـ يحالفها النبي صلى الله عليه وسلم ويدعو أصحابه للهجرة إليها، فحين تحسن أن تكون أصيلة كريم تحالفها الأمة المسلمة وحين تسيء فلكل سبيله.
4 ـ"فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا أن يبعثوا الى النجاشي فينا رجلين جلدين وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستطرف من متاع مكة ولم يتركوا من بطارقته بطريقا إلا أهدوا له هدية وقالوا لهما ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم". هي الجاهلية! فما يضيرها أن يخرج أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بلاد غريبة بعيدة؟ فترسل رسلا ووفودا وتتكلف أموالا وهدايا وتتجشم السفر فمم تخاف؟ وما عسى يفعل أولئك؟ إن ضغط قريش كان أكثر شدة لأنهم تحسبوا من عواقب الهجرة هؤلاء الفتية الفارين بدينهم، فإن قريشا كانت تتخوف من انتشار دين الله تعالى حتى قال أبو سفيان"لقد أمر أمر ابن أبي كبشة إنه يخافه ملك بني الأصفر"فالخوف من أن يجد النبي صلى الله عليه وسلم عند هؤلاء قبولا فيجتث قريشا من أصولها يجلد ظهور الجاهليين فيخرجون في الأرض تحريضا على الرسالة وأتباعها.
5 ـ انظر إلى الجاهلية تنفق الأموال والمدخرات رشوة للملوك والبطارقة في حين تنتهب الجزيرةُ الجزيرةَ لصالح أقطاب الجاهلية ويجوع الفقراء حتى لا يجد الفقير ما يقيم أوده بينما تقدم الجاهلية المال بلا حساب رشوة رخيصة. وهذه الأموال التي تقدم رشوة للحرف عن الحق تجد لها في المستنقعات الآسنة حياة لكن حيث العدل والحق حيث الدين والأمن لا تجد من يقبلها فترتد على أصحابها خائبين [إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ] فتفشل المؤامرة ويخيب الوفد ويعود مقبوحا مطرودا ويعلو صوت العدل مسقطا قناع أبي لهب"اذهبوا فأنت سيوم بأرضي من سبكم غرم ردوا عليهما هداياهما".
6 ـ تفشل مؤامرة قريش لأنها صدت بمن يسمع صوت المستضعفين ويأذن لهم أن يقولوا كلمة واحدة في جلسة حوارية لا نتهي بالسحق والسحل، وتنفيذ القرارات المعدة مسبقًا لدى هامان. ولنا اليوم جاهلية تمنع المؤمن من قول كلمة واحدة، فلا منبر ولا إعلام ولا صحافة أو أقلام، وتسد الأسباب في وجه كلمة الحق ويترك الهواء للفضائيات الغازية تنبح وتعوي وتعض. وتريد الجاهلية للمال أن يصل قبل أن يكلموا النجاشي حتى تمتليء الأفواه بالدراهم وتصم الآذان عن الحق ويقولوا بفهم واحد:"صدقوا أيها الملك قومهم أعلم بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم".كيف وقد أكلوا بجعفر وأصحابه لحما طريقا وثريدا! وتقلبوا في الهدايا والنعيم والثراء وركبوا اليخوت الفارهة كما البوارج فيا للجاهلية ما أرخصها! حين تُسلِمين جعفر ومن معه لفرعون وهامان وجنودهما لأجل الدراهم القليلة يرتع بها السياسيون ويرعوا في المنتجعات والمتنزهات والفنادق.
7 ـ"إنه قد صبا إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشرف قومهم ليردهم إليهم". تقول الجاهلية في وصف جعفر ومن معه"غلمان سفهاء"وتسمي سفهاء مكة وكفارها"أشراف قومهم"في ميزان جاهلي عجيب لا يقيم وزنا للدين والحق، فإذا اكتالوا على الناس يستوفون وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون في ضلالة تزكم رائحتها الأخشم قبل غيره"فيقال للرجل: ما أعقله وما أظرفه وما أجلده! وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان"فترفع شأن"طامر طامر"وتحط قدر"الكريم بن الكريم".
8 ـ"ولم يدخلوا في دينكم"فهل كانت الجاهلية ترغب في دين الحبش حتى تقول هذه الكلمة؟ أم أنها الرغبة في ركوب الصعب والذلول لإدراك الطريدة فتحرض هذا التحريض الرخيص. وهي أشبه بالجاسوسية وكتابة التقارير التي توغر صدور حكومات ظالمة على عباد الله رغبة في النكاية والأذى فتوضع الأكياس الخانقة على الأنوف وتجري سيارات الحديد المجنونة تطوي الصحارى التي افتتحها عمر وخالد لتصل إلى السجن ويلقى الكرام فيها عشرات السنين! بينما عبدة العجل يرتعون في يافا وعسقلان. ومن عجيب الجاهلية المعاصرة أن يمارس هذا التحريض الرخيص كبار الرؤساء يفترون ويكذبون يتقربون به إلى أمريكا وربيبتها زلفا.
9 ـ"وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم"وهب أنكم لا تعرفونه أفتحتكرون المعرفة؟ وتصادرون عقول الناس وقلوبهم وتحاكموهم إلى الموروثات والتصورات؟ فمن السفهاء ومن الأشراف إذا؟.
10 ـ"ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم"لماذا تخاف الجاهلية الحوار العلني المكشوف؟ لماذا يخافون الوقوف أمام الناس؟ ما بالهم يتأخرون حتى عن جاهلية قبل أن يكلمهم؟ ألا يأذنوا للذبيح أن يفصح عن الألم فيقول: لا! أليست الجاهلية؟ ذلك أن جعفر سيفضح الجاهلية ويعريها"كنا قوم أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار يأكل القوي منا الضعيف". فلذلك تريد الجاهلية المعاصرة ألا ترى جعفر يصد عن الناس الأذى فلا يكون فيها غير صحافة السلطان والنسوان، فتلمع للحاكم شاربه وحذائه وتكتب الإعلانات الجميلة الطافحة بالصدور والنحور. أما أن يفسح بين جعفر والناس فيبلغ كلام ربه ويرد على قريش قالة السوء فهذا ما لا تقره الجاهلية أو ترضاه بل تطلق الموت ألوانا متعددة على من يحسن أن يمسك قلما أو فرشاة ترسم صورة غير صورة السلطان. وكشف الحقيقة أمام الناس جعلت غلام أصحاب الاخدود يقبل على الشهادة في سبيل الله متحديا الجاهلية التي تريد ألا يطلع الناس على حقيقة الأرباب الزائفة. وتتبع الجاهلية المعاصرة سنن الملك"فليحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القذة بالقذة"فتحسب على خطباء المساجد ووعاظها الكلمات وتحصيها وكذلك الصحافة والإعلام وأساتذة الجامعات وغيرهم.
11 ـ"فلما جاءهم رسوله اجتمعوا"هي خاصية هذه الأمة تتمثل في نبينا محمد صلى الله عليه وسلم [وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ] فهل تصير سنة محمد صلى الله عليه وسلم لدى المؤمنين اليوم عملا دارجا فترى الشورى في أبهى صورة وتأخذ دورها في سياسة الأمة المسلمة أم سيظل الاستبداد والقمع والسطو على عقول الناس أساس التعامل؟ هذا مرض العرب والمسلمين اليوم أنك لا تكاد ترى من يستشير أو يستخير فيسوق الناس وعاعهم بسطوة النار والمال والسلاح فمن أخنى وأعطى يمنح ويعط ومن قال لا فله البِلى. وقد استشرى المرض وتطاول ليصل كل الناس حتى هؤلاء الكرام من الاسلاميين على شتى المناهج فمجالس الشورى والانتخابات أوامر وتوجيهات.
12 ـ"نقول ما علمنا كائن ما هو كائن"بهذه العزة وبهذه الصرامة فالحق لا ينثني ولا ينحني إنما يسير في طريقه قيما لا عوج فيه قويا لا ضعف فيه صريحا لا مداورة فيه كائن ما هو كائن فمن لم يعجبه الحق فليذهب فإن العقيدة ليست ملكا لأحد حتى يجامل فيها إنما هي لله وهي لا تعتز ولا تنتصر بمن لا يريدونها لذاتها خالصة ولا يأخذونها كما هي بلا تحوير فلذلك كانت كلمتهم كالصمامة:"نقول ما علمنا كائن ما هو كائن".
13 ـ"فقال له جعفر بن أبي طالب: أيها الملك"هذا جعفر يرتقي في أسباب العلم والفقه فإن"من إجلال الله إكرام ذي السلطان المقسط"وقد كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا خاطب الملوك والأمراء أن يوقرهم ويسميهم عظماء فيقول: عظيم الروم، وعظيم القبط، وعظيم فارس ونحو ذلك، وكلمة"ذي السلطان المقسط"مطلقة تصدق على كل في سلطانه من مسلم وكافر، كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل مع الملوك والأمراء إذا كاتبهم فلا يخفى كتابه من إكرام لمصلحة التألف.
14 ـ"عدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا وقهرونا وظلمونا وشقوا علينا"هذا الخطاب الرقيق الندي من أمير مهاجري الحبشة بهذه العاطفة الجياشة يسيل رقة وحنانا يستثير في النجاشي عاطفة الملك المقسط الملك الإنسان الملك البكاء الذي يرق قلبه لتلاوة القرآن"فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته"بهذا التحنان والتحبب والاستعطاف والترقق الذي لا يعرفه إلى الذين يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها فقد تلجيء المحنة إلى مثل هذا الخطاب بل قد تلجيء إلى أكثر منه. وذكر جعفر عذاب الجاهلية مفصلا يشعر بضرورة إحسان عرض المسألة على من ترتجى عنده النصرة هذا من جهة ومن جهة أخرى يشير إلى سءو الجاهلية التي لا ترحم.
15-اختيار جعفر صدرا من سورة مريم عليها السلام يدل على التوفيق الرباني للعبد ساعة الشدة فإنه ليحسن للعبد أن يكون حافظا لكتاب الله عارفا بمواطن الآيات فيتلو منها موطن ترقيق القلوب وتهذيب النفوس ساعة العسرة فيدفع بتلاوته أذى الجاهلية. وحين تلا جعفر الآيات اختار ما يصلح لهؤلاء القوم من النصارى [وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَقِّ] وكذلك كان قالت أم سلمة: فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلا عليهم.
16-"قالت أم سلمة: فلما خرجنا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنهم غدا عيبهم ثم أستأصل به خضراءهم فقال عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا لا تفعل فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد"
أ- في كلامها ما يوحي بأن جعفر ومن معه كانوا يتابعون الحدث لدى عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة. ومتابعة العدو وتتبع عوراته حتى يعلم تدبيره فيتقى منهج النبي صلى الله عليه وسلم في مواطن كثيرة مشتهرة يبعث عيونا تسمع له ما تقول الجاهلية وتخطط، وقد قال البخاري في كتاب الجهاد"باب فضل الطليعة"و"باب هل يبعث الطليعة وحده"وإن نظرة واحدة لغزوات النبي صلى الله عليه وسلم تقفك على سنة النبي صلى الله عليه وسلم في العيون والطلائع فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب"من يأتينا بخبر القوم"فقال الزبير: أنا فخرج الزبير لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين ووافقوا قريشا على محاربة المسلمين.
ب - قول عمرو بن العاص"ثم أستأصل به خضراءهم"يدل على منهجية الجاهلية في الاستئصال [قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ] .
ج -"وكان أتقى الرجلين فينا"هاهي أم سلمة تؤكد على منهج الإسلام الخالد في انصاف الناس ولو كانوا أعداء، فلو استطاع جعفر ومن معه أن يستعذبوا هذه التقوى لكان حسنا.
د - مشهد عبد الله بن أبي ربيعة معروف مكرور على مدى الأيام لكنه لا يستطيع أن يخالف الجاهلية كل المخالفة فصورته ليست كصورة مؤمن آل فرعون فذاك يدفعه إيمانه أن يجري وراء موسى فيخبره وينمي له خيرا، وهذا يكتفي بكلمة خير في جلسة مغلقة لا تأتي ثمرا فالبناء عليه والتأمل فيه قد يكون مهلكة.
هـ ـ في بقية الخبر لفتة تستحق الانتباه فهذا عمرو بن العاص يطالع ويناظر ويكتشف ما لدى خصمه من دقيق الأخبار ويعرف أن جعفر يقول إن عيسى ابن مريم عبد. أرأيت كيف عدوك؟ فتنبه!!.
17-قالت أم سلمة:"فوالله إنا على ذلك إذ نزل به من ينازعه في ملكة فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. قالت: وسار النجاشي وبينهما عرض النيل قالت فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزبير بن العوام: أنا".
أ - فيه الدلالة على استشراف المستقبل ومتابعته لدى الطوائف المستضعفة الغريبة في البلاد فإن السياسيين متقلبون فقد يتغير النجاشي الصالح فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه فلعله يحسن أن لا تكون المحالفات مع أفراد وإن كانوا حكاما وملوكا فقد شهد التاريخ ما يدل على ذلك.
ب - قام الصحابة ينظرون ويتابعون يعوم ابن العوام ويدعوا الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده فبذلوا جهدهم في متابعة الأمر، ولو أمكنهم أكثر لفعلوا.
18-"ليس بأحق بي منكم وله ولأصحابه هجرة واحدة ولكم أنتم أهل السفينة هجرتان"فلا يحمل كلام الصالحين إلى على الغبطة فيتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه والحرص على هذا يسمى منافسة فإن كان في الطاعة فهو محمود ومنه [وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ المُتَنَافِسُونَ] .
19 -جاء خبر الهجرة من طريق أم سلمة وأسماء بنت عميس وهذا مشعر بأهمية دور المرأة المسلمة واطلاعها على أحداث الهجرة وتفاصيلها فالمرأة المسلمة تتحمل أعباء الاضطهاد والهجرة جنبا إلى جنب مع الرجل في سبيل الله وتتكر مواقف المرأة في السلم والحرب فتصبح صورة المساحة المتاحة للمرأة والذروة السامية التي سمقتها والمسئوليات العظيمة التي أوكلت لها بعد ما كانت تعاني من ضيق واحتقار واهمال في عهود الجاهلية المظلمة. فالمرأة تهاجر مع زوجها بدءا بعثمان ورقية وانتهاء بحاطب وأم جميل زوجه التي تضع حملها بالسفينة تفر بدينها من الفتن.
خامسًا: الإسراء والمعراج:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1-كان الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم وسط شدة أذى قريش على النبي صلى الله عليه وسلم إيذانا ببلوغه صلى الله عليه وسلم تلك الدرجة العالية الرفيعة التي بلغها وهي درجة العبودية"أسرى بعبده"، والعبودة الواردة في هذا الموطن هي عينها التي تحدثت عنها الآيات بعد قليل عن عبودية نوح عليه السلام وعبودية الفاتحين لبيت المقدس [ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ... فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا] فهي أسمى المنازل وأرقى الدرجات.
2 -وقع الإسراء بالنبي صلى الله عليه وسلم ليلا وأصل السُّري في لغة العرب السير ليلا فالكملة تحمل معها زمانها ولا تحتاج إلى ذاكرة ولكن السياق ينص على الليل، ويجيء الحديث فيضفي المعنى نفسه"لما كان ليلة أسري بي"فيؤكد النص القرآني"ليلا"لتناسب الحركة الليلية التي تتوافق مع ذكر العبد والعباد إذ الليل ليل العابدين الذين يتلون آيات الله آناء الليل.
وفضل الإسراء بالليل على السير بالنهار معلوم لما وقع من الإسراء بالليل ولذلك كانت أكثر عبادته صلى الله عليه وسلم بالليل وكان أكثر سفره صلى الله عليه وسلم بالليل.