6ـ ترى النبي صلى الله عليه وسلم أيضا يؤكد في اللقاء الأول"يا صفية عمة رسول الله"فهذه سنام الأمر وذروته وعماده!! ولا تغرنك الرغبة في عدم تغيير مصطلح القوم أو صعود منابرهم أن تتناسى للحظة واحدة المعلم الأصيل والفيصل الخطير"رسول الله"فلقد تزدحم الأوهام وتكثر التصورات فينسى الناس ذلك للحظة، لكنها اللحظة الأخيرة، وبعدها الطوفان.
7ـ قال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم ألهذا جمعنا؟ فنزلت (تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ) .
نعم، لهذا الأمر يكون الجمع، وهل يجمع لغير هذا، وسل حذيفة رضي الله عنه يجيبك"فجاءنا الله بهذا الخير"فإن يكن الاجتماع على خير فبها، وإلا فعليك بخاصة نفسك. والجاهلية الأولى ووليدتها المعاصرة لا ترى أن هذا الأمر يدعى له أو يجتمع عليه أما أن تجمع الملايين من الناس على لعب الكرة أو القمار أو المسارح فهذا أمر معتبر مستجاب له. إن في الناس اليوم شيئًا واضحًا من أخلاق"ألهذا جمعتنا؟"تراه في عزوف عن نفير وانحراف عن"من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين"وتخلف ممقوت عن صلاة الجماعة، وتقاعد عن نجدة، وتسامر على باطل. وتظل صورى أبي لهب وهي تستخف باجتماع إسلامي مبارك شاخصة تقول: إن هؤلاء لشرذمة قليلون وإنهم لنا لغائظون، تنتظر أن يقال لها: تبت يدا أبي لهب وتب ما أغنى عنه ماله وما كسب، هلك عني سلطاني!!.
إن ظاهرة"ألهذا جمعتنا؟"قد اتسع خرقها وبلغ الصالحين من الناس، فصرت ترى لهم انصرافا عجبا نحو الدنيا ومن فيها في كل الميادين.
الوحدة الرابعة
استعلاء الجاهلية
أولًا: تعذيب قريش النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه:
( تعذيب قريش النبي صلى الله عليه وسلم ، تعذيب قريش أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ـ حصار قريش النبي صلى الله عليه وسلم وآل هاشم ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1 ـ (فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ) قال ابن عباس: فوالله لو دعا ناديه لأخذته زبانية ربه،"وشدد الأمر في حق أبي جهل للتهديد وإرادة وطء العنق الشريف، وفي ذلك من المبالغة ما اقتضى تعجيل العقوبة لو فعل ذلك"فهل تعجل العقوبة لمن كان مثله في الكفر والأذى اليوم؟ احتمال.
2- [أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ] هي قصة أبي بكر رضي الله عنه، الذي ينتصر لله ورسوله فيكون له في آخر اللحظات، كلمات نبوية تبشر به وتعلي شأنه وتذكر موقفه، فقد"خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه الذي مات فيه عاصب رأسه بخرقة فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة". إنه ليس من الناس أحد أمن علي، على الحقيقة التامة بنص النبي صلى الله عليه وسلم واعتراف كرام الصحابة رضي الله عنهم. يقول ابن مسعود"لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم"فأنا أرهب منهم"وذلك لما قامت قريش على النبي صلى الله عليه وسلم وألقت سلى الجزور"وفرثها ودمها"على ظهر النبي الساجد صلى الله عليه وسلم، لم يكن لابن مسعود طاقة بهم وقد استضحكوا وجعل بعضهم يميل على بعض وهو قائم ينظر، وبعضهم ينسب فعل ذلك إلى بعض تهكما ويثب بعضهم على بعض من المرح والبطر وكثرة الضحك. ويخطب علي رضي الله عنه فيقول:"من أشجع الناس؟ قالوا: أنت قال: أما أني ما بارزني أحد إلا أنصفت منه ولكنه أبو بكر لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذته قريش فهذا يجؤه وهذا يتلقاه ويقولون له: أنت تجعل الآلهة إلها واحدًا؟ فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر، يضرب هذا ويدفع هذا ويقول: ويلكم أتقتلون رجلًا يقول ربي الله؟ ثم بكى علي ثم قال أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون أفضل أم أبو بكر؟ فسكت القوم، فقال علي: والله لساعة من أبي بكر خير منه، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا يعلن بإيمانه". فهذا أبو بكر رضي الله عنه يعلم الناس بعده العزة والجهاد، وكيف تكون الشجاعة؟ وأنها الوقوف في وجه البغاة الطغاة مهما انتفش باطلهم واستعلى، وله رضي الله عنه في هذا سلف، مؤمن آل فرعون رحمه الله تعالى، فإنما هي سنن الصالحين."
3 ـ"فوالله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر"هي عذر للذين لا يقدرون على منافحة الباطل ومدافعته، فمن لم يكن كأبي بكر رضي الله عنه ولم يستطع ما استطاع، فإن له في قول علي رضي الله عنه عزاء وسعة، والناس منازل فمنهم من يأتيه الصريخ إلى داره فيقال له: أدرك صاحبك، ومنهم من دون ذلك، ولكل فضله وجهاده وأجره.
4 ـ نلمح لأبي بكر فقهًا دقيقًا وهو يحاول ألا ينال المشركون من النبي صلى الله عليه وسلم أكثر فيقول:"أتقتلون رجلا يقول ربي الله"فيعمد إلى كلمات لا تزيد اللهب اشتعالًا، فكلمة: ربي الله لا تغاضب الجاهلية، كما لو قال: أتقتلون رجلا يقول: لا إله إلا الله، فإن الجاهلية كانت تقر بالربوبية [وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللهُ] لكنها"لإ إله إلا الله"التي كانت تستفزهم،وكانوا يقولون: أجعل الآلهة إلها واحدا؟ إن هذا لشيء عجاب!! فعمله رضي الله عنه أصل في المحافظة على الطاقات، وعدم الانجرار للمعارك الجانبية المفتعلة، مع المحافظة على العقيدة والدين.
5ـ"فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم"والدعاء عدة المؤمنين [يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ] وفي رواية"فحمد الله وأثنى عليه"ثم قال وهو مستقبل الكعبة: أما بعد اللهم". إنه"ليس شيء أكرم على الله تعالى من الدعاء""لأن فيه إظهار الفقر والعجز والتذلل والاعتراف بقوة الله وقدرته"فحيث العدو والعجز والقهر، فلا أكرم من الدعاء ولا أندى على نفس المؤمن المجاهد. وكم كانت قريش تتخوف من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم فلما قال لهم"تسمعون يا معشر قريش أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح""فأخذت القوم كلمة"فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك وخافوا دعوته"وكيف لا يخافون دعوة نبي الله صلى الله عليه وسلم؟"لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر".
6 ـ"وخافوا دعوته"فيه:
أ ـ دليل على معرفة الكفار بصدقه صلى الله عليه وسلم لخوفهم من دعائه.
ب ـ تعظيم الدعاء بمكة عند الكفار، وما ازدادت عند المسلمين إلا تعظيمًا.
ج ـ جواز الدعاء على الظالم لكن قال بعضهم: محله ما إذا كان كافرًا، فأما المسلم فيستحب الاستغفار له والدعاء بالتوبة، ولو قيل: لا دلالة فيه على الدعاء على الكافر لما كان بعيدًا لاحتمال أن يكون اطلع النبي صلى الله عليه وسلم على أن المذكورين لا يؤمنون، والأولى أن يدعى لكل حي بالهداية.
د ـ الدعاء أكرم شيء على الله تعالى، وهو طريق الصبر في سبيل الله، وصدق في اللجأ، وتفويض الأمور إليه، والتوكيل عليه، ودفع الأعداء وطرد عداوتهم وكيدهم وشرهم. وفي قصص الصالحين واستغاثتهم بالله تعالى بدءًا بأنبياء الله ومرورًا بالصحابة بينات، تفرق الداعين عن اللاهين، وتبين أثر الدعاء في حاية المؤمن.
7 ـ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لقد أخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد""لقد ضربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة حتى غشي عليه" فكم لقي النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المشركين بمكة من أذى!! فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصيبه أذى الجاهلية، وتخيف السياط أحمد، وتخلع يد مالك، ويقطع رأس أحمد بن نصر الخزاعي وهو يتمتم باسم الله، فعلام نستكثر الأذى وننكر أن يصيبنا، فهل نسينا [أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ] [أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ البَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللهِ قَرِيبٌ] .
8 ـ"سفه أحلامنا وشتم آباءنا وعاب ديننا وفرق جماعتنا وسب آلهتنا"هذه الجاهلية وهذا سمتها؛ الغمز والأذى وبتر الأقوال وتضخيم الأمور وقلب حقائقها، سفه وشتم وعاب وفرق وسب، فتصير رسالة الإسلام تسفيها وشتما وتعييبا وتفريقا وسبابا، متناسين أنه كلما"مر بهم غمزوه ببعض ما يقول"وأنهم كانوا من الذين آمنوا يضحكون وإذا مروا بهم يتغامزون. وهي الجاهلية المعاصرة في كل ما يتصل بالإسلام وجنده تراه في كل ما يصدر عن أجهزتها وأدواتها.
9 ـ قالت قريش:"لو قد رأينا محمدًا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد"نعم؛ فهكذا تكون الوَحدة، ولهذا الأمر نقوم"قيام رجل واحد"فينطلق وزراء الداخلية للمؤتمر، ويصدرون قرار محاربة الإرهاب؟ ويعلو نباح الإذاعات وفحيحها؛ وتدق بصاطير الأجهزة في الهزيع الأخير من الليل أبواب الذاكرين الله كثيرًا والذاكرات: أن افتحوا؛ هيا افتحوا. وتخنق الأنفاس في الأكياس السود القاتمة، وتضرب الوجوه المؤمنة الوضيئة، ويتفل فيها، ويسب الله والقرآن والسنة، ويقتلون حمزة، ويلوكون كبده وينتفون لحيته. وتعمر زنازين بذكر الله، وتتمتم أفواه وشفاه بالتسبيح وبالتهليل، وتغني أمريكا الناطور وتعلفه، وتعزف لحن إسرائيل، ويشربون نخب العجل في أمريكا أو لندن. ويزفر يونس غيظه، ويهمس للكرام الصابرين: لقد رأيت الذين سخروا صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب؛ فإنما هي غيمة صيف عما قريب تنقشع، فصبرًا آل ياسر فإن موعدكم الجنة.
10 ـ تعذيب قريش أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، بيان للجاهلية في عدوانها وسطوتها على المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون: ربنا آمنا؛ بل تجاوزوا المستضعفين فكلما جاءهم رسول استكبروا ففريقا يكذبون ويقتلون فريقا. هي الجاهلية قديما وحديثا، كلمتها: اقتلوه أو حرقوه، اقتلوا الذين آمنوا معه. وتضرب قريش خبابا ضربا شديدًا فيترك ندوبا في ظهره إلى أن يلقى الله، يقول عمر لخباب يوما: ادن فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار، فجعل خباب يريه آثار بظهره مما عذبه المشركون وذلك في خلافة عمر فأي عذاب هذا الذي سطوا به على المسلمين؟ حتى بقيت آثاره عشرات السنين؟ إنها الجاهلية. ويبلغ بطش قريش عمرا رضي الله عنه"اجتمع الناس عند داره وقالوا: صبأ عمر فجلس في الداء خائفا إذ جاءه العاص بن وائل السهمي فقال له: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلوني إن أسلمت!! قال لا سبيل إليك، فبعد أن قالها أمنت"حتى عمر رغم ما فيه من الجلد والقوة في أمر الله تخيفة الجاهلية ويجلس في الدار خائفا يترقب يقول: ربي نجني من القوم الظالمين. وتكتشف الجاهلية الإكراه على الكفر فيصبح وسيلتها المحببة لتعذيب الصحابة رضي الله عنهم"فوالله كانوا ليضربون أحدهم ويجيعونه ويعطشونه حتى ما يقدر أن يستوي جالسا من شدة الضر حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله، فيقول: نعم".
12 ـ صار سمت الصالحين وفقههم أن الذي يكره على الكفر ويختار القتل، أعظم أجرًا عند الله ممن اختار الرخصة، وما كان دون الكفر كأن يكره على أكل الخنزير وشرب الخمر مثلا فالفعل أولى. لكن بلالا يتعب من بعده ويأبى إلا أن يقولها"أحد أحد"فلا يعرف للرخصة بابا."أخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديث وصهروهم في الشمس فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالٌ فإنه هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه فأعطوه الولدان وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد".
"إلا بلالٌ"الباقي رمزًا للأبطال، معلم الناس الحق والبطولة والجهاد.
"إلا بلال"القابض جمر الثبات، يأكل القيد يمينه، يتغذى من شرايين فؤاده، لم يقل يوما: نعم.
"إلا بلال"غزة المؤمن في وجه الردى.
"إلا بلال القائل: أحد أحد"فذهبت تلك الكلمة مثلا .
"أحد أحد"يربى عليه المجاهدون ويدربون.
"أحد أحد"فلا اعتراف بسلطان غير سلطان الواحد الأحد.
"أحد أحد"فلا انحناء أمام هيلمان الجاهلية وطيشها وطغيانها فكله إلى زوال ولكنكم تستعجلون.
11 ـ الابتلاء سنة في الدعوات [أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ] و"من يرد الله به خيرا يصب منه"يبتليه بالمصائب ليثيبه عليها، ويوجه إليه البلاء فيصيبه فإنه"إذا أحب قوما ابتلاهم فمن صبر فله الصبر ومن جزع فله الجزع"و"من أعطي فشكر وابتلي فصبر وظلم فاستغفر وظلم فغفر أولئك لهم الأمن وهم مهتدون". وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل مؤمن، لأن الآدمي لا ينفك غالبا من ألم، وفي حديث سعد بن أبي وقاص"قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء؟ قال: الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة"ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم خبابا بأخبار الصالحين من الأمم"لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب ما يصرفه ذلك عن دينه ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه وليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلا الله والذئب على غنمه"يذكره بذلك"تسلية له وتسرية وإشارة إلى الصبر حتى تنقضي المدة المقدورة".
12 ـ لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يملك غير الدعاء والبشارة فيدعو على الكافرين ويبشر الصابرين بالجنة وأكرم بها من بشارة [مَثَلُ الجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ المُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا تِلْكَ عُقْبَى الَّذِينَ اتَّقَوْا وَعُقْبَى الكَافِرِينَ النَّارُ] قال عثمان رضي الله عنه: ألا أحدثكم عن عمار؟ أقبلت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذًا بيدي نتمشى في البطحاء حتى أتى على أبيه وأمه وعليه يعذبون، فقال أبو عمار: يا رسول الله الدهر هكذا؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم:"اصبر"ثم قال:"الله اغفر لآل ياسر"وفي رواية"اصبروا آل ياسر فإن موعدكم الجنة". إن موعدك الجنة هي نفس الكلمات يوم بيعة العقبة الأولى"فإن وفيتم فلكم الجنة". ويأتي رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله ماذا لي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: الجنة"، [إِنَّ اللهَ اشْتَرَى مِنَ المُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ] "الجنة"فهل تكفي البشارة؟ أم أن الناس تستعجل الثمر قبل أوانه ثم لا تجد غير حسرات في الدنيا والآخرة."الجنة"كلمة واحدة غير أنها تكفي إبراهيم وموسى ومحمدًا وعيسى ويوسف وذا الكفل وأبا بكر وعر والشافعي وابن معين وأحمد وصلاح الدين وكل أبي كريم تذكره هذه الكلمة بما عهد الله عنده."
ثانيًا: حصار قريش النبي صلى الله عليه وسلم وآل هاشم:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1 ـ الحصار طبع المجرمين وقطاع الطرق قديما وحديثا؛ يؤذى به الناس ويضيق عليهم في الأرزاق والمعاملات والعقود؛فكم ابتلي المسلمون بأذى المشركين لما تحالفت قريش أن لا يبايعوا بني هاشم ولا يناكحوهم ولا يؤووهم وحصروهم في الشعب فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستخفيا جُرءاءٌ عليه قومه. ولذلك تلجأ إليه الجاهلية تضيقا على الناس وكبتا لهم فإنه "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها""ويوشك أهل العراق أن لا يجبى إليهم قفيز ولا درهم من قبل العجم يمنعون ذاك، ثم يوشك أهل الشام أن لا يجبى إليهم دينار ولا مدي من قبل الروم""ومنعت مصر إردبها ودينارها وعدتم من حيث بدأتم". وهذا قد وجد في زماننا في العراق وهو الآن موجود، وهو إنذار بما يكون من سوء العاقبة وأن المسلمين سيمنعون حقوقهم في آخر الأمر وكذلك وقع. وهو واقع الآن على بلاد كثيرة من بلاد العرب والمسلمين وغيرهم يمارسه ظلمة كفرة لا يرجون لله وقارا. وهو الآن موجود حيث يضيق على الصالحين فيحرمون الحقوق الشرعية كالوظائف والسفر والارتحال وطلب العلم.
2 ـ:"نحن نازلون غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر"وذلك أن قريشا وكنانة تحالفت على بني هاشم وبني عبد المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤوهم حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم. ويسمي النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الحلف تقاسما على الكفر، فتقاسموا على الكفر وتحالفوا عليه وتعاهدوا حتى يسلموا إليهم النبي صلى الله عليه وسلم، نحن نسلمه؟ ويسبهم أبو بكر يوم الحديبية وكل يوم"أنحن نفر عنه وندعه"؟ مالكم كيف تحكمون؟ ويحدب بنو هاشم والمطلب على النبي صلى الله عليه وسلم مسلمهم وكافرهم في شعب صعب ودرب شائك، واليوم نسلمه ونسلم أنفسنا لنعلف طحين أمريكا فكل شيء يباع حتى الكرامة والديانة والوطن.
3 ـ"منزلنا غدا إن شاء الله إذا فتح الله، الخيف حيث تقاسموا على الكفر"نزوله صلى الله عليه وسلم هنا شكرا لله تعالى على الظهور بعد الاختفاء، ليظهر فيه عزة الإسلام بعد أن كان فيه ذليلا، وليتذكر ما كانوا فيه فيشكر الله تعالى على ما أنعم به عليه من الفتح العظيم وتمكنه من دخول مكة ظاهرا رغم أنف من سعى في اخراجه منها، ومبالغة في الصفح عن الذين أساءوا ومقابلتهم بالمن والإحسان، وصار الحصار ذكرى.
4 ـ ارتكبت قريش مع النبي صلى الله عليه وسلم حصارا آخر فمنعت رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أن يظهروا تلاوة القرآن وذلك قبل الهجرة، ومنعتهم بعد الهجرة من الطواف بالبيت معتمرين قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر:"إنك آتيه ومطوف به"وفرح الصحابة واستبشروا وحسبوا أنهم داخلوا مكة عامهم ذلك فتجهزوا وخرجوا معه، فمنعتهم قريش، وكم كان الطرد طعبا موجعا! يقول عمر:"أوليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: بلى. فأخبرتك أنك تأتيه العام؟ قلت: لا، قال: فإنك آتيه ومطوف به". وينطلق سعد بن معاذ معتمرًا فنزل على أمية بن خلف بن أبي صفوان، فقال أمية لسعد: انتظر حتى اذا انتصف النهار وغفل الناس انطلقت فطفت. فبينما سعد يطوف إذ أبو جهل فقال: من هذا الذي يطوف بالكعبة؟ فقال سعد: أنا سعد فقال أبو جهل: تطوف بالكعبة آمنا وقد آويتم محمدًا وأصحابه! فقال: نعم فتلاحيا بينهما، فقال سعد: والله لئن منعتني أن أطوف بالبيت لأقطعن متجرك بالشام، فسكت الذي همه درهمه وكسبه وتجارته"."
ثالثًا: مفاوضة قريش النبي صلى الله عليه وسلم:
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1 ـ تبدأ الجاهلية مع النبي صلى الله عليه وسلم حوارها المتعنت غير الجاد، فلعله يقبل منها عرضا، أو يستجيب لما تقول، وهي محاولات عصم الله منها رسوله صلى الله عليه وسلم. هي محاولات السلطان والشيطان معًا يجريها مع أصحاب الدعوات دائما، يغريهم لنحرفوا ويرضوا بالحل الوسط مقابل مغانم يتصورونها، فتطلب الجاهلية تعديلات طفيفة ليلتقي الطرفان،"ولكن الانحراف الطفيف في أول الطريق ينتهي إلى الانحراف الكامل في نهايته"فتذوق ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا.
2 ـ وتطلب الجاهلية الخوارق المادية [وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللهِ وَالمَلَائِكَةِ قَبِيلًا] وتتعنت في اقتراحاتها وتتبجح بلا أدب ولا تحرج، ويسألون أن يجعل لهم الصفا ذهبًا وأن ينحي الجبال عنهم فيزدرعوا، فقيل له: إن شئت أن نستأني بهم وإن شئت أن نؤتيهم الذي سألوا فإن كفروا أهلكوا كما أهلكت من قبلهم قال:"لا بل أستأني بهم"فأنزل الله عز وجل [وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا] .
3 ـ كانت الجاهلية كما ربيبتها المعاصرة تروح ليهود فتقعي بين يديها لعلها تستطيع أن تجد عندها كملة تواجه بها محمدا صلى الله عليه وسلم فتقع منه على خلة تعيبه معاذ الله!!. فكانت تقول ليهود:"أعطونا شيئا نسأل هذا الرجل؟ فقال: سلوه عن الروح، فسألوه فأنزل الله [وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا] ."