فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 8

3.هذه الآيات الكريمات التي أنزلها الله على قلب نبيه (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَم) لتدل دلالة واضحة على عظمة دور العلم في حياة البشرية، العلم من لدن الحكيم الخبير والذي يعتمد على القراءة والكتابة بالقلم أسلوبًا رئيسيًا له. هذا العلم الذي قصره الكثيرين على العلم البشري القاصر بينما أوضح القرآن المقصود الأساسي منه ألا وهو الوحي (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ، (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ، (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) ، (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا) لكن عندما يذكر غير الوحي تأتي كلمة العلم نكرة - علم- لأنها تمثل جانبًا من الحقيقة أما الحق الثابت في هذا الوجود هو الوحي فقط (قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي) ، (قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آَتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) . قال الغزالي في الإحياء:"العلم: وقد كان يطلق ذلك على العلم بالله تعالى وبآياته وبأفعاله في عباده وخلقه، حتى أنه لما مات عمر رضي الله عنه قال ابن مسعود رحمه الله، لقد مات تسعة أعشار العلم فعرفه بالألف واللام ثم فسره العلم بالله سبحانه وتعالى".

4.مدرسة حراء: غار حراء بما فيه من خلوة وعبادة وابتعاد عن ضجيج الحياة يمثل مرحلة من مراحل الدعوة، تلجأ له الدعوة المباركة، في الأعصر الحاضرة، راغبة أو راهبة، فتخلو لنفسها، تناقش أمرها، وتلم شعثها، وتعد خططها، أو تمكث فيه ريثما تزول آلة القتل والبطش، والقمع والسحق، ويظل حراء مدرسة تربوية لا يصلح أن تغلق أبوابها، لتبعث في الأمة روحًا وثابة، وهمة عالية.

5.الزوجة في عرف هذا الدين: لا شك أن موقف خديجة رضي الله عنها هو من أعظم المواقف التي شهدها تاريخ الأمة المسلمة، فكانت كما قال ابن هشام: ( آمنت به، وصدقت بما جاءه به،ووازرته في أمره، فخفف الله بذلك عن نبيه صلى الله عليه وسلم لا يسمع شيئًا مما يكرهه من رد عليه وتكذيب له فيحزنه ذلك، إلا فرج الله عنه بها إذا رجع إليها، تثبته وتخفف عنه، وتصدقه، وتهون عليه أمر الناس، رحمها الله تعالى) . إنه درس للمرأة المسلمة الداعية، أن تكون دعوة الله ورسوله هي التي تملأ عليها كيانها، وحياتها، ووجودها، أما أسوتها خديجة، وأن تجعل حياتها ومالها وجاهها في سبيل الله، تحمل الراية بجوار زوجها الداعية، وتكون عونًا له لا عبئًا عليه، تخفف عنه آلامه وهمومه، لا تثبطه وتوهنه وتجره أن يثاقل إلى الأرض. ودرس للرجل المسلم الداعية، أن يعرف لزوجه فضلها ومحنتها في جواره، وصبرها على متاعبه، وأن يتمثل عظمة الوفاء النبوي في وصل صديقات خديجة بعد وفاتها، وفي هشه وبشه لاستئذان هالة أخت خديجة.

6.اقرأ باسم ربك: وكيف يقرأ؟ وما هو بقارئ؟ كيف ولا سبيل؟ لكن جبريل ييسر الأمر ويذلله ويقول له: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ) ، فإنك لا تقرؤه بقوتك، ولا بمعرفتك لكن بحول ربك وإعانته، اقرأ باسم ربك حتى تكون البداية باسم الله، فتمضي المسيرة الخالدة باسمه تعالى، وتصحبها كلمة الله، فلا تزال في رعايته وحفظه.

7.ليل العابدين: يتحنث النبي صلى الله عليه وسلم في شهر رمضان الليالي ذوات العدد فالليل ليل الذاكرين وبكاء التائبين، وقد أثمر الليل ومدرسته (فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا) ، بقي هذا دأبه صلى الله عليه وسلم فكان يقوم يصلي حتى تتورم قدماه لأنه دأب الصالحين قبلكم، وبقي ترك القيام وصمة وسبة"يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ)"

8.خوف النبي صلى الله عليه وسلم من جبريل: والخوف أمر جبلي يصيب الناس كل الناس، فهذا نبي الله موسى يقول (وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ) ، وفي خبر غلام أصحاب الأخدود قول الراهب:"فإن ابتليت فلا تدل علي"لكنه الخوف الذي لا يقعد صاحبه عن مصاولة الباطل ومجاولته، إنه خوف جبلي فطري، يعين الله عليه ويذهبه (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) .

9.حسن تصرف أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها: انطلقت به حتى أتت ورقة بن نوفل وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني وكان شيخًا كبيرا، هي والله صفات المستشار المؤتمن:

أ ـ كاتب، في وقت يعز فيه القرطاس والقلم، في أمة أمية لا تكتب ولا تحسب.

ب ـ صاحب دين في زمان الجاهلية.

ج ـ محنك مجرب، فقد كان شيخًا كبيرًا

إنها خديجة ذات الرأي السديد، والنصح الرشيد، والفكر الثاقب، تعلم الناس كيف يكون من تبتغى عنده المشورة.

10.بين يدي ورقة:

أ ـ يا ابن عم اسمع من ابن أخيك: ذلك من أدبها رضي الله عنها، وهو إرشاد إلى أن صاحب الحاجة يقدم بين يديه، من يعرف بقدره، ممن يكون أقرب منه إلى المسئول، قلت: وفيه التقديم بين يدي الله في الدعاء فليس أحد أحب المدح إليه من الله.

ب ـ يا ابن أخي ماذا ترى: بحنان أبوي بلا ترفع ولا تكبر،على دأب العلماء الكاتبين، ترقيقًا لقلبه، وإيناسًا لنفسه، وإزالة لوحشته، وتهديئًا لروعه.

ج ـ هذا الناموس الذي نزل على موسى: فلست بدعًا من الرسل إنه منهاج النبوة والأنبياء إنه طريق الذين قال الله فيهم (لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ) إنك في طريق موسى المنتصر، موسى الذي هزم فرعون وأغرقه في البحر، وجعله أحاديث.

د ـ يا ليتني فيها جذعا: وإنما كان جنده صلى الله عليه وسلم شباب المهاجرين والأنصار وهم عدة المرسلين.

هـ ـ ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك: جواب عظيم من ورقة بن نوفل وهو يحدد خط سير الدعوة، فبمقدار عظمة التكريم بالنبوة، والبشارة بالنصر على طريق موسى، بمقدار الثمن الباهظ الذي يدفعه ثمنًا لذلك، فلن يقبل الناس أفواجًا على هذا الدين حتى يكذب الصادق الأمين ، ولا يكتفى بتكذيبه، بل سيؤذى فوق ذلك ويخرج من أحب أرض الله إليه، إنه خط ثابت لأصحاب الدعوات لا مناص منه فلا بد أن يوطن الداعية نفسه على الصبر على مشاق الطريق وتحمل تبعاته وأن يعلم أن هذا الدين وإن كان يمثل الفطرة السوية للبشر، لكنه يتعارض مع أهوائهم ومصالحهم وطغيانهم، ولن يدع الطغاة للدعاة الطريق مفروشًا بالرياحين ، بل يملؤونه بالدماء والأشلاء والآلام، ومهمة الداعية أن يقتلع هذه الأشواك، ويواجه المحن مهما اكتظت، والخطوب مهما ادلهمت، لأنه وضع نفسه على خطا النبيين، ولا بد أن يكون على مستوى المسئولية:

وإن كانت النفوس كبارًا ... ... ... ... ... ... تعبت في مرادها الأجسام

... و ـ أومخرجي هم: استبعد النبي صلى الله عليه وسلم أن يخرجوه لأنه لم يكن فيه سبب يقتضي الإخراج، لما اشتمل عليه من مكارم الأخلاق التي تقدم من خديجة وصفها، لكنها الجاهلية التي تلاحق العباد في كل واد، وتخرج الناس من دورها، ومرابع صباها، في تظاهرة فاجرة تهتف: (أَخْرِجُوا آَلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ !!) .

ز ـ لورقة بن نوفل رضي الله عنه بشارة نبوية إذ الجزاء من جنس العمل فالذي بشر البشارة الأولى ورجا الله تعالى أن يكون فيها جذعًا لم يحرمه الله أجر تلك الوقفة"فإني رأيت له جنة أو جنتين".

ثالثًا: بداية الدعوة، وأول الناس إسلامًا:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبر والعظات:

1 ـ لقد أجهد أهل العلم أنفسهم وهم يتابعون أول من أسلم فما بال الأول وما بال الآخر وقد آمن كل وحسن إسلامه؟

(لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) . أولئك منارات هدى وإشارات خير يرى الناس من خلالهم الطريق اللاحب فيمضون على خطى مسبوقة وسكيكة مطروقة قد مهدها الصابرون وسلكها السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان فصار نورهم يسعى بين أيدي التابعين وبأيمانهم، فالسابقون الذين كشفوا الدرب وارتادوا، وبكروا تبكيرًا، فرفل الناس بما أنتجوا وسطروا، السابقون الأولون وهم القدوات الفاضلة، والنماذج النادرة والمعادن البراقة الثمينة، كانوا مدارس تعلم آداب الدين، فاحترامهم واجب واستشارتهم غنيمة والارتباط بذكرياتهم طمأنينة، ألم تقرأ قوله تعالى (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَقَلِيلٌ مِنَ الْآَخِرِينَ عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ) فتعرف للسابق فضله ثم تمضي على سنة ناهجة فتدعو لكل سابق بفضله وتهتدي بهدي كتاب ربنا (ثَانِيَ اثْنَيْنِ) متأسيا بسنة النبي صلى الله عليه وسلم إذ يحفظ للأول مكانته ويسجل البدايات الكريمة ويضبط تاريخ الناس ويعرف لكل سبقه ويغض عن هفوات الكرام

2ـ عن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر آخذا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته فقال النبي صلى الله عليه وسلم أما صاحبكم فقد غامر فسلم وقال إني كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت فسألته أن يغفر لي فأبى علي فأقبلت إليك فقال يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل أثم أبو بكر فقالوا لا فأتى إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسلم فجعل وجه النبي صلى الله عليه وسلم يتمعر حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال يا رسول الله والله أنا كنت أظلم مرتين فقال النبي صلى الله عليه وسلم:"إن الله بعثني إليكم فقلتم كذبت وقال أبو بكر صدق وواساني بنفسه وماله فهل أنتم تاركوا لي صاحبي مرتين"فما أوذي بعدها. إن الفاضل لا ينبغي له أن يغاضب من هو أفضل منه، فهمها ربيعة الأسلمي رضي الله عنه وقد غاضبه أبو بكر بكلمة، فاستعدى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ربيعة، وهو المغاضب، فقال بعض الأسلمين لربيعة: يرحم الله أبا بكر في أي شيء يستعدي عليك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال ربيعة: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني اثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيغضب لغضبه، فيغضب الله عز وجل لغضبهما فيهلك ربيعة. إن للأوائل فضلًا، ومن كالأوائل؟ فلا أقل من أن ينصفوا عند الخصومة، وتصير ذكرياتهم الندية مجال التقدير والإجلال، هذا ثاني اثنين، هذا ذو شيبة المسلمين، وإن زيدًا كان أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أبيك، وكان أسامة أحب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم منك، فآثرت حب رسول الله صلى الله عليه وسلم على حبي، والذي نفسي بيده لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي، وكان كعب بن مالك إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم لأسعد بن زرارة يقول:"لأنه أول من جمع بنا"يعني أقام لهم صلاة الجمعة في المدينة بعد بيعة العقبة الأولى، ويقول عمر لخباب"ادن فما أحد أحق بهذا المجلس منك إلا عمار"فيفسح عمر رضي الله عنه الصدر للصدور الأوائل الذين أسلفوا الصبر والإيمان في المحنة وكانت لهم فيها أيام إنما هي سنوات من سني من بعدهم فلهم الفضل ولا يفوتهم إلا من كان سباقا وإنما الناس منازل ودرجات [لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا] .

3 ـ كان أكثر الأولين من الضعفاء والمساكين، فصاروا في الناس شامة، تزدان بهم البلاد، وتوقرهم الأمم، وهم عند أنفسهم ضعاف، لهم دموع كالشموع، ورقة كالنسائم، واحتمال للآخرين، لم تعرفه طبائع الخلق.

قال هرقل: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟

فقال أبو سفيان: بل ضعفاؤهم.

قال: هم أتباع الرسل.

والأشراف هنا: أهل النخوة والتكبر منهم، لا كل شريف، وأتباع الرسل في الغالب أهل الاستكانة لا أهل الاستكبار الذين أصروا على الشقاق بغيًا وحسدًا، كأبي جهل وأشياعه، إلى أن أهلكهم الله تعالى. ولا يعيب الأنبياء أن كان أتباعهم من الضعفاء بادي الرأي كما تزعم الجاهلية لكن يعيبها أن سادتها وكبراءها وملأها كانوا كلما دعوا إلى الله جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكابرا. فأي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا؟ وهل يستوي الأعمى والبصير أو الظلمات والنور؟ لا يستويان مثلا، وهل يعيب الضعف أحدًا؟

4 ـ تبقى كلمة سعد رضي الله عنه:"ما أسلم أحد إلا في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام"تنادي الذين لا يدونون تاريخهم ولا يكتبون أخبارهم بأنه لو كان ورعا ترك الكتابة والتحديث بالفضل لتركه الأكارم، ولتنزه عنه الصحابة. إن الحديث عن النفس صنفان، فصنف يحرم ولا يحل، وهو معروف لكل ذي لب وآخر قد ينزل منزلة المندوب أو أكثر لا سيما إذا كان التاريخ لا يكتب، ومدرسة الزهد تتسع، وأقلام الردة تطمس جهاد المؤمنين.

5 ـ يقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر:"اكتم هذا الأمر وارجع إلى بلدك فإذا بلغك ظهورنا فأقبل". نعم، فلسنا أول الماضين في طريق الكتمان، ولا أول من يكتم إيمانه، لكنه لا يكتم إلا عن فرعون وملئه، ولموسى وفرعون قصه، ذكرها القرآن الكريم، فكان للذي يكتم إيمانه حظ الدنيا والآخرة. إن كتمان الحق والإسرار به، لا يكاد يقوى عليه إلا قليلون، لأن الصبر على الفترات التي يستعلي فيها الباطل وينتفش ويبدو كالمنتصر لا يكاد يطيقه أو ذر رضي الله عنه فيقول:"والذي بعثك بالحق لأصرخن بها بين أظهرهم". لكنها السنة الماضية أن يكتم الرجل المؤمن إيمانه من فرعون وملئه، يكتم إيمانه أو يقتلوا من يقول: ربي الله، والقتل لا يخيف عباد الله الصالحين:"لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قتل"،"لست أبالي بالحبس، ولا قتلًا بالسيف"لست أبالي، وما أظن أحمد إلا متأسيا بخبيب الأنصاري:

ولست أبالي حين أقتل مسلما ... ... ... ... ... ... ... على أي شق كان لله مصرعي

وذلك في ذات الإله وإن يشأ ... ... ... ... ... ... ... يبارك على أوصال شلو ممزع

نعم، ولست أبالي، لكن كيف تفعل بقوله:"فإذا بلغك ظهورنا فأقبل"؟ فإن لنا ظهورا يتشوق الكون إليه ويتهيأ له الآفاق وتسعد بطلعته الدنا"يوشك يا معاذ إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد مليء جنانا"و"والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه"و"إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله، ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يخرج ملء كفه من ذهب أو فضه فلا يجد أحدًا يقبله منه"و"ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل عزا يعز الله به الإسلام وذلا يذل الله به الكفر". إنه المستقبل لهذا الدين، فهل ترضى الجاهلية بالدنية راغبة وتبدي السمع والطاعة راضية؟ أم أنه الجهاد والشهادة، والكتم على الأمر، والصبر على الشدة، حتى"يخرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف"يكبرون ويهللون ويفتحون ويعفون ويذهب الناس طلقاء، بعد أن كسروا قوس حمزة وتلطخوا بدمه وبقروا بطنه ولاكو كبده وجدعوا أنفه الأشم. إن الإسلام قدر الله الآتي، فلذلك كله كان الكتمان، وكانت الدعوة سرًا، لأجل الكون أن يشرق ولأجل الناس أن تسعد، ولأجل الخير أن ينشر، فللعزيز حقه ، وللذليل حقه، حقه الذي أمر الله به فلا يعتدى عليه ولا يظلم (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) الناس على الإطلاق، مؤمنهم وكافرهم. لم يكن الكتمان للتآمر على الناس، ولا لقلب الموازين، ولا للبطش بالشعوب، ونهب أموالهم، وسلب ممتلكاتهم، والاستبداد بحقوقهم، وتزييف إرادتهم، والتسلط على أحرارهم، بالسحق والسجن، والسفك والقتل. كان الكتمان حاجة دعوة، وسياسة نبوة يُعْمِلُها النبي صلى الله عليه وسلم كلما دعت الجاجة إليها من شدة بطش وتعاقب أذى"فلقد رأيتنا ابتلينا حتى إن الرجل ليصلى وحده وهو خائف"وكان ذلك بعد الهجرة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكتب كتابًا لأمير السرية ويقول له:"لا تقرأه حتى تبلغ مكان كذا وكذا فلما بلغ ذلك المكان قرأه على الناس، وأخبرهم بأمر النبي صلى الله عليه وسلم". فالعمل سرًا، وكتمان الأمر باب من أبواب السياسة الشرعية يعمل بها كلما دعت الحاجة إليها.

6 ـ للسرية في الدعوة تكاليف أقلها أنك لا تكاد تجد معك إلا القليل لكنه القليل المميز الذي صقلته المحنة وهيأته الشدة، فيكون الناس كلهم في خبط وحيرة غير هذا الذي كان قدره أن يكون أول الغيث والندى، فكيف رأيت أبا بكر في اليوم الذي مات فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وانخلع قلب عمر، ولم تقله قدماه، وصارت المدينة كما قال أنس:"أظلم منها كل شيء"فكيف كان أبو بكر، أرأيت البدر الساطع والقمر المنير!.

رابعًا: الجهر بالدعوة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبر والعظات:

1 ـ هذه البداية الطبيعية للداعية المسلم"دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا فاجتمعوا فعم وخص"فأحرى به أن يبدأ بآله، زوجه وولده وعشيرته، فأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم دعوة الأقارب من صلى الأرحام"غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها"وسماه أيضا ربأ"يربأ أهله"يحفظهم ويتطلع لهم، كما يفعل الرِّبئة عين القوم وطليعتهم الذي ينظر ويسهر لئلا يدهمهم العدو ولا يكون في الغالب إلا على جبل، أو شرف، أو شيء مرتفع لينظر إلى بعد. وهذا ما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد انطلق إلى رَضْمة من جبل فصعد على الصفا فعلا أعلاها حجرًا يربأ أهله ويبل رحمه بلالها.

2 ـ"فعلا أعلاها حجرًا"إنه أعلى المنابر في تلك البلد فأعلى المنابر لدين الله ودعوته ولا يحسن الزهد فيها متعللا بورع أو شبهة، فتترك منابر الصدارة السياسية والاجتماعية ونحوها للفسقة والمردة وأقلام الردة والضلال. إن صعود النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا، وارتقاءه أعلاها حجرًا فعل يعلم الدعاة أين ينبغي أن يكونوا من الناس؟ فصعوده سنة كونية، حدثنا عنها الراشد، وهو يصف طريقة صناعة الحياة، فيجعل الداعية صاعدًا راقيا إذ"دوران بعض الخلق في فلك خلق آخر مصطفى وأقوى منه"سنة المخلوقات، تراها في بناء الكون الواسع، أو أصغر مكوناته الذرة، فكيف ترضى بالدنية فتكون في آخر الصف ويسبقك الأباعد؟

3 ـ ناسب في دعوته صلى الله عليه وسلم عشيرته:"أنقذوا أنفسكم من النار"أن يقول:"غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها"وبلالها من البلل وهو الماء الذي يطفيء النار (وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ( فكأن تلك الدعوة كانت تنظر إلى الغيب من ستر رقيق، فيرى النبي ملأ قريش ومردتها(وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ) .

4 ـ ينادي النبي صلى الله عليه وسلم القبائل"فعم وخص"حتى اجتمعوا فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولا لينظر: ما هو؟

إنه النداء الجاد واللهفة الحقة"فيهتف: يا صباحاه!"يهتف أرأيت كيف؟ وينادي"اشتروا أنفسكم"ويقيم الحجة عليهم قبل أن يكلمهم فيؤكد لهم، بشهادتهم أنه الصادق فما جربنا عليك إلا صدقا! ويقول:"أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدقي؟""أراد بذلك تقريرهم بأنهم يعلمون صدقه إذا أخبر عن الأمر الغائب"وهي طريقة استدلال هرقل على أبي سفيان:"وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله". إنها اللفة في دعوة الناس حتى يهدهده ربه (لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) فيستعمل كل أنواع النداء، في دعوة حقيقية جادة، يبذل فيها الوسع والطاقةة، يصعد ويهتف وينادي ويقيم الحجة قبل أن يتكلم، ولا يترك أحدًا إلا دعاه، فدعا الرجال والنساء حتى أرسل صاحب العذر من يسمع له الخبر. إنها إشارة للذين يريدون أن يقوموا لدعوة الناس، فهذه سكة أبي القاسم وطريقته في دعوة الناس، معالمها الصبر والمجاهدة وبذل العمر كله في مناداة الناس حتى يستجيبوا.

5 ـ ترى النبي صلى الله عليه وسلم في تلك الخطبة يستعمل مصطلح القوم فيقول:"يا صباحاه!"و"يهتف: يا صباحاه!". إنها رعاية الله لنبيه صلى الله عليه وسلم وتوفيقه أن يحسن نداء القوم بما ألفوا وعرفوا فإنه قد يقع في التصور لماذا لم يجمعهم النبي على نداء إسلامي آخر؟ ولماذا صعد نفس المنبر الصفا؟فلم يصعد ظهر الكعبة مثلا؟ نعم قد يجري السؤال على الخاطر لكن من يدري ماذا كانت قريش فاعلة لو أنه صلى الله عليه وسلم جاء بالتغيير من اللحظة الأولى. إن نبينا صلى الله عليه وسلم كان يتشوق لإعادة بناء الكعبة على قواعد إبراهيم وهاهو الآن يستعمل مصطلح القوم:"يا صباحاه!"ليسير المؤمنون على هديه صلى الله عليه وسلم فيصبروا حتى يصعد بلال مكبرًا سطح الكعبة، فالساعة آتية ولكنكم تستعجلون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت