فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 8

4.إن الظلم مرفوض بأي صورة، ولا يشترط الوقوف ضد الظالمين فقط عندما ينالون من الدعاة إلى الله، بل مواجهة الظالمين قائمة، ولو وقع الظلم على أقل الناس وأبعدهم عن الدعوة لأن منع الظلم في كل أشكاله هو الذي يحول دون وصوله إليهم ونحرهم بمديته، ويبقى هذا المبدأ العظيم الخالد هو الذي يحكم الدعاة في كل عصر"ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت".

5.على المسلم أن يكون في مجتمعه إيجابيًا فاعلًا يفتقده الناس إذا غاب ويصغون له ويطيعونه إذا حضر، يشاركهم في الفضائل ويتنزه عن الجهالات والرذائل ، لا أن يكون رقما من الأرقام على هامش الأحداث في بيئته ومجتمعه.نفقه ذلك من خلال مشاركة النبي صلى الله عليه وسلم لقومه في حرب الفجار، وبناء الكعبة وحلف الفضول والتحكيم في الحجر الأسود، ولو كانت هذه الأمور خطأ لنزه الله نبيه عن ذلك وصرفه عنها.

6.المجتمعون في دار ابن جدعان نخبة قريش ، والقوة والنخبة مطلوبة في الإسلام، ولن يحترم ديننا إلا إذا تفوقنا في دنيانا (1) النبي عليه الصلاة والسلام طلب النخبة ، قال: (( اللهم أعز الإسلام بأحد العمرين ) )، فلما أسلم حمزة، وهو من وجهاء قريش ، توقف إيذاء قريش للمسلمين ، ولما أسلم عمر صلى المسلمون في الكعبة ، الذين يحدثون انعطافات كبيرة جدًا في المجتمع هم النخبة ، فكما أننا بحاجة إلى عدد كبير من المؤمنين الصادقين الطاهرين فنحن بحاجة أمس إلى نخبة متميزة تتمتع بكفاءات عالية ، لذلك قال عليه الصلاة والسلام: (( المُؤْمِنُ القَوِيُّ خَيْرٌ وَأحَبُّ إلى اللَّهِ تَعالى مِنَ المُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وفي كُلٍّ خَيْرٌ )

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) التحق بالمسجد في معهد التحفيظ طالب، وكان في شهادة عامة ، أعتقد في المتوسطة ، وكان أبوه ينهاه عن الانضمام للمسجد نهيًا لا حدود له ، كان يعنفه ، وكان يزجره ، وأحيانًا يضربه ، فإذا بهذا الشاب نجح بتفوق على دمشق بأكملها ، فأمره أبوه أن يأخذ معه أخاه إلى المسجد

ثالثًا: تجارته بمال خديجة رضي الله عنها وزواجه منها:

خديجة بنت خويلد أقرب نساء النبي صلى الله عليه وسلم نسبًا، كانت امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم فلما بلغها عن رسول الله ما بلغ من صدق حديث وعظيم أمانة وكرم أخلاق عرضت عليه الخروج في تجارتها فخرج وكان النبي صلى الله عليه وسلم قبل البعثة محظوظا في التجارة، وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد ذكر خديجة وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه، ويقول: أنا أزوج يتيم أبي طالب لا لعمري .. فلم تزل به حتى رضي، وهي أول من تزوجها، وتزوجها سنة خمس وعشرين من مولده، وكانت قبله عند عتيق المخزومي، وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة وصدقت النبي في أول وهلة قال صلى الله عليه وسلم:"خير نسائها خديجة"وبشرها النبي صلى الله عليه وسلم ببيت من قصب لا صخب فيه ولا نصب، بيتٌ لأنه لم يكن بيت إسلام على وجه الأرض في أول يوم بعث النبي إلا بيتها، وقصبٌ: لأنها أحرزت قصب السبق بمبادرتها إلى الإيمان دون غيرها، كم هي حاجة المؤمن للمرأة المؤمنة الصالحة تواسيه وتقف بجواره وتؤازره وتمنع عنه الأذى، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعد موتها يكثر ذكرها إنه الوفاء للمرأة الداعية المجاهدة المؤمنة التقية، لا يعيبها أن تذكر حتى في مجامع الرجال وحضرتهم، تذكر بالفضل والخير والسبق.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبر والعظات:

1.إن الأمانة والصدق أهم مواصفات التاجر الناجح، والتجارة مورد من موارد الرزق تدرب النبي صلى الله عليه وسلم على فنونها قبل البعثة، وبين في الإسلام أجر الصادق الأمين فيها فقال صلى الله عليه وسلم:"التاجر الأمين الصدوق المسلم: مع [ النبيين والصديقين و ] الشهداء يوم القيامة"، والتجارة بغير هاتين الصفتين وبال على صاحبها لقوله صلى الله عليه وسلم:"إن التجار هم الفجار . قيل: يا رسول الله ! أو ليس قد أحل الله البيع ؟ قال: بلى ولكنهم يحدثون فيكذبون ويحلفون فيأثمون ]"، وعلى الدعاة أن يدخلوا غمار الأسواق ساعين لأسلمتها ونشر روح الإسلام بين أهلها تطبيقًا وتنزيلًا على معاملاتها فهي باب من الأبواب التي ينبغي أن يطرقها الدعاة ويضربوا فيها بنصيب.

2.أ ـ الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة، قال الشيخ محمد الغزالي: وخديجة مثل طيب للمرأة التي تكمل حياة الرجل العظيم، إن أصحاب الرسالات يحملون قلوبًا شديدة الحساسية ويلقون غبنًا بالغًا من الواقع الذي يريدون تغييره ويقاسون جهادًا كبيرًا في سبيل الخير الذي يريدون فرضه، وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعهد حياتهم الخاصة بالإيناس والمواساة، وكانت خديجة سباقة إلى هذه الخصال، وكان لها في حياة النبي صلى الله عليه وسلم أثر كريم.

ب ـ أنا أزوج يتيم أبي طالب لا لعمري: إنها الجاهلية تقيس الناس بالمال والجاه فيعز لديها صاحب الكنز والجاه ويضعف عندها الصالح المؤمن الكريم، أما في عرف الدين:"إذا أتاكم من ترضون خلقه ودينه فزوجوه"وعن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: إن عندنا يتيمة وقد خطبها رجل معدم ورجل موسر وهي تهوى المعدم ونحن نهوى الموسر فقال صلى الله عليه وسلم [ لم ير للمتحابين مثل النكاح ] وقال صلى الله عليه وسلم:"إن من يمن المرأة تيسير خطبتها وتيسير صداقها وتيسير رحمها". قال عروة: وأنا أقول من عندي: من أول شؤمها أن يكثر صداقها"."

ج ـ فلم تزل به حتى رضي: إنه درس لكل امرأة مسلمة داعية، أن تعرف من تختار ليكون زوجًا لها، وعلى من توافق ليكون شريك حياتها، ولا ينقص من شأنها أن تسعى لذلك، ولا يخرم مروءتها أن تهيئ السبل لذلك وألا يكون المال أو المنصب أو الجاه أو الجمال فقط هي القيم التي تنطلق منها المرأة المسلمة، إنه الدين أولًا ، والخلق ثانيًا، ولو كان ذا فقر مدقع أو غرم مفظع، لقد أدركت أم المؤمنين خديجة على جاهليتها قيمة الخلق والشرف والنبل وأن وزنها أعظم من المال الوفير والجاه العريض فهل يدرك إخواننا وأخواتنا هذه المعاني التي أدركها الجاهليون قبل الإسلام وينطلقون في زواجهم من هذه الأحكام؟!

3.نرى أن النبي صلى الله عليه وسلم ذاق ألم فقد الأبناء كما ذاق من قبل ألم فقد الأبوين وقد شاء الله أن لا يعيش له صلى الله عليه وسلم أحد من الذكور حتى لا يكون مدعاة لافتتان الناس بهم وادعائهم لهم النبوة فأعطاه الذكور تكميلًا لفطرته البشرية وقضاء لحاجات النفس الإنسانية ولئلا ينتقص النبي في كمال رجولته شانئ أو يتقول عليه متقول، ثم أخذهم في الصغر ليكون ذلك عزاء وسلوى للذين لا يرزقون البنين، أو يرزقون ثم يموتون كما أنه لون من ألوان الابتلاء وفي الحديث:"الناس أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل فيبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان دينه صلبا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقة ابتلى على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشى على الأرض ما عليه خطيئة"وقال صلى الله عليه وسلم:"من يرد الله به خيرا يصب منه".

4.في زواج النبي صلى الله عليه وسلم من خديجة رد على من صوروا النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الرجل الغارق في لذاته وشهواته، فنجد أن النبي صلى الله عليه وسلم عاش إلى الخامسة والعشرين من عمره في بيئة جاهلية عفيف النفس دون أن ينساق في شيء من التيارات الفاسدة التي تموج حوله، كما أنه تزوج من امرأة ثيب لها ما يقارب ضعف عمره، وعاش معها دون أن تمتد عينه إلى شيء مما حوله، وإن من حوله الكثير وله إلى ذلك أكثر من سبيل ، إلى أن تجاوز مرحلة الشباب، ثم الكهولة، ويدخل في سن الشيوخ، وقد ظل هذا الزواج قائما حتى توفيت خديجة عن خمسة وستين عامًا وقد ناهز النبي صلى الله عليه وسلم الخمسين من العمر ، وكان الوفاء بعد الوفاة كان إذا ذبح الشاة يقول:"أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة".

5.الحب وموقف النبي صلى الله عليه وسلم منه:

أ ـ النبي الحبيب: عن عائشة رضي الله عنها قالت: ما غرت على نساء النبي صلى الله عليه وسلم إلا على خديجة، وإني لم أدركها، قالت: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ذبح الشاة يقول:"أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة". فأغضبته يومًا فقلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة فيقول [إني رزقت حبها] ". وعن عمرو بن العاص قال: قلت يا رسول الله: من أحب الناس إليك؟ قال: عائشة. قال: إنما أعني من الرجال، قال: أبوها". فنسبه إليها لشده حبه لها.

ب ـ النبي الشافع: عن ابن عباس قال: لما خيرت بريرة رأيت زوجها يتبعها في سكك المدينة ودموعه تسيل على لحيته فكلم العباس ليكلم فيه النبي صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبريرة إنه زوجك فقالت تأمرني به يا رسول الله قال إنما أنا شافع قال فخيرها فاختارت نفسها وكان عبدا لآل المغيرة يقال له مغيث.

ج ـ النبي ودواعي الحب: *"كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج أقرع بين نسائه .. وكان إذا كان بالليل سار مع عائشة يتحدث"**"وكان يوم عيد يلعب السودان بالدرق والحراب قال: تشتهين تنظرين فقلت: نعم فأقامني وراءه خدي على خده".*** ويدعو بالشراب فآخذه فأشرب منه ثم أضعه فيأخذه فيشرب منه ويضع فمه حيث وضعت فمي من القدح *** ظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي.

رابعًا: تجديد قريش بناء الكعبة:

(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِين) ، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له فقام إبراهيم عليه وهو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) ثم بنيت بعد ذلك في زمان الجاهلية قبل مبعثه بخمس عشرة سنة فجعل ينقل معهم الحجارة للكعبةثم بنيت بعد ذلك في زمان الجاهلية قبل مبعثه بخمس عشرة سنة فجعل ينقل معهم الحجارة للكعبة ثم ترآءى الحجر فوضعه في ثوب ثم دعا بطونهم فأخذوا بنواحيه فوضعه النبي صلى الله عليه وسلم، قال:"هل تدريبن لم كان قومك رفعوا بابها"قالت: لا،قال:"تعززًا أن لا يدخلها إلا من أرادوا""لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم فإن قريشًا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خلفًا""فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي لأريك ما تركوا منه فأراها قريبًا من سبعة أذرع"فما احترق البيت زمن يزيد بن معاوية اعتمد ابن الزبير في بناءه حديث عائشة فزاد فيه الحجر حتى أبدى أسًا نظر الناس إليه فبنى عليه البناء وجعل له بابين أحدهما يدخل منه والآخر يخرج منه فلما قتل ابن الزبير كتب عبد الملك للحجاج:"إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء أما ما زاد في طوله فأقره وأما ما زاد فيه من الحجر فرده إلى بنائه وسد الباب الذي فتحه"وكان عبد الملك يقول:"وددت أني تركته وما تحمل".

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبر والعظات:

1.حتى إذا ارتفع البناء جاء إسماعيل بهذا الحجر فوضعه لأبيه فقام عليه وهو يبني (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) ، فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت وهما يقولان (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فكان الطواف. قال النووي: ينبغي ألا يغير هذا البناء وذكر أن هارون الرشيد سأل مالك بن أ نس عن هدمها وردها إلى بناء ابن الزبير للأحاديث المذكورة؟ فقال مالك:"ناشدتك الله يا أمير المؤمنين ألا تجعل البيت لعبة للملوك لا يشار أحد إلا نقضه وبناه، فتذهب هيبته من صدور الناس".

2.السياسة العمياء: تعمي وتصم وتفسد الدين والإيمان وتدنس الأطراف والذيول إلا من يعصم الله ويحفظ"إنا لسنا من تلطيخ ابن الزبير في شيء"يقول:"وددت أني تركته وما تحمل"وهل ينفع الندم!

3."لولا حداثة عهد قومك بالكفر لنقضت الكعبة ولجعلتها على أساس إبراهيم"إذا تعارضت مصلحة ومفسدة وتعذر الجمع بينهما بدئ بالأهم، هذا فقه الرسول الداعية أن يعتبر المصلحة في العمل الذي يريد، إن بناء الكعبة على قواعد إبراهيم أمنية نبوية، يمنعها الخوف من فتنة الناس، فتنة الناس والنبي صلى الله عليه وسلم على الحق، فهذا يؤكد أن على المسلم أن يترك حقًا كثيرًا، لئلا ينسب إلى الفتنة وإن كان محقًا.

4.الخلق الكريم الذي حبا الله به نبيه، حتى أصبح محط أنظار مجتمعه، وصار مضرب المثل فيهم، حتى لقبوه بالصادق الأمين، هذا الخلق هو الذي مكن النبي صلى الله عليه وسلم من إيقاف حرب مدمرة في قومه من خلال التحكيم، فقد اغتبط الجميع أن كان الداخل الصادق الأمين وأعلنوا رضاهم بحكمه قبل أن يصدر حكمه لثقتهم بنزاهته، وتجرده وموضوعيته، فلا بد للداعية في مجتمعه أن يكون إيجابيًا فاعلاُ، يفتقده الناس إذا غاب، ويصغون له ويطيعونه إذا حضر، لا أن يكون رقمًا على هامش الأحداث في بيئته ومجتمعه، وحين يكون صاحب الكلمة الفصل فيهم عن حب وإعجاب واحترام، يكون قادرًا على أن يوظف هذا الجاه كله لخدمة دعوته ولنشر الإسلام في صفوف عشيرته وقومه، ويكون قد هيأ الأرض الخصبة للبذرة الصالحة التي يغرسها فتنمو وتترعرع،ثم تزهر وتثمر وتعطي أحسن الجني وأطيب الثمار.

5.يستوقف المسلم قول أبي وهب بن عمرو بن مخزوم: ( لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبًا لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس) فقد كان الجاهليون يدركون في حسهم مفهوم الحلال والحرام، وحين يقدمون على أمثال هذه المعاملات يعلمون أنهم يقدمون على إثم أو على شيء خبيث، وما يدعيه اليوم دعاة الجاهلية الحديثة من تبرير للزنا وأنه لا علاقة للآخرين به إن تم برضا الطرفين، ويشرعون القوانين في تحليله، وما يدعونه في تبرير الربا وأنه حق مكتسب للمال ويشرعون القوانين لإحلاله .. ليس هذا الادعاء أو هذا التشريع قناعة قائمة في النفس، بمقدار ما هو تغطية وتبرير لظلم يعرفون في أعماقهم حرمته: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا) .

6.لم يكن بإمكان قريش، كل قريش أن تبني البيت العتيق على ما بناه إبراهيم وإسماعيل من قبل آلاف السنين، وهما رجلان وحيدان، لم تكن تمتلك المال ولا الحرفة التي تقوم ببناء الكعبة، حتى جاءت بالرجل النجار الرومي، كذلك كنا، ثم تغيرت الدنيا، وبنينا البصرة والكوفة والقاهرة والقيروان وبغداد وتطوان، بهرت روائع حضارتنا كل الناس، في الهندسة والصيدلة في التحقيق والتوثيق ، في الإحصاء والرياضيات، تركب نساؤنا البحر كالملوك على الأسرة، وينادي فارسنا بحر الظلمات أن لو علمت وراءك أرضًا لغزوتك ، تركنا في كل رقعة أثراُ كريمًا يقول: نحن المسلمون.

7.حين تضيق الدروب بالجاهلية، وتقف الحية في طريقها لبناء الكعبة، تضرع الجاهلية إلى الله وتقول:"رب لا ترع، أردنا تشريف بيتك"إنها الجاهلية هي هي، لم تتغير ولم تبدلها الأيام، فترى الجاهلية المعاصرة التي تقتل وتبيد، وتسجن وتظلم، وتتبع السبل الشائكة، وتحارب دين الله ودعاة الإسلام، هذه الجاهلية المعاصرة لها: أوقاف، وصلاة جمعة متلفزة، وعلماء ومفتون، وهيئات دينية، ومدارس ومعاهد دين على طريقة السلطان ونهجه، أما رأيت أبا جهل وهو يقول:"اللهم أقطعنا الرحم وآتانا بما لا نعرفه فأحنه الغداة"فأبو جهل يدعو الله ويناجيه"اللهم اللهم"والجاهلية تعمر بيت الله وتبنه.

8.ابتدعت قريش تسميتها بالحُمس وهو الشدة في الدين والصلابة فلم يخرجوا من الحرم ليلة عرفات وكانوا يقولون: نحن أبناء الحرم وقطان بيت الله، فكانوا لا يقفون بعرفات ـ مع علمهم أنها من مشاعر إبراهيم عليه السلام ـ حتى لا يخرجوا عن نظام ما كانوا قرروه من البدعة الفاسدة، وكانوا يمنعون الحجيج والعمار ـ ما داموا محرمين ـ أن يأكلوا إلا من طعام قريش، ولا يطوفوا إلا في ثياب قريش، فإن لم يجد أحد منهم ثوب أحد من الحمس طاف عريانًا ولو كانت امرأة ولهذا كانت المرأة إذا اتفق طوافها لذلك وضعت يدها على فرجها وتقول:

اليوم يبدو بعضه أوكله ... ... ... ... ... ... ... وما بدا منه فلا أحله

فجاء الإسلام وأنزل القرآن ردًا عليهم فيما ابتدعوه، فقال: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) ، (يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ) ، فواجب الداعية أن يحيي ما أماته الناس من السنن وأن يحارب البدع بحيث لا تؤدي إلى مثلها أو أكبر منها.

الوحدة الثالثة

البعثة النبوية على صاحبها الصلاة والسلام

أولًا: إرهاصات الوحي والنبوة:

( معنى الإرهاص ـ أنواع الإرهاصات التي وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم بين يدي الوحي ) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبر والعظات:

1.إنما ابتدئ صلى الله عليه وسلم بالرؤيا لئلا يفجأه الملك، فبدئ بأول خصال النبوة الرؤيا الصادقة وما جاء في الحديث الآخر من رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر والشجر عليه.قلت: وفيه الندب إلى تهيئة من نزلت به نازلة أو وقع له خير جم خشية أن يفجأه الخبر.

ثانيًا: اختلاء النبي في غار حراء ونزول جبريل بالوحي عليه:

( الخلوة في غار حراء ـ الرجوع إلى خديجة خائفًا ـ عند ورقة بن نوفل ) .

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

العبر والعظات:

1."حبب إليه الخلاء"عبرت عائشة بالبناء للمجهول لعدم تحقق الباعث على ذلك أو لينبه أنه لم يكن من باعث البشر وقد ورد في الحديث"حتى فجئه الحق بغتة"،وفيه رد على الذين يتقولون على النبي صلى الله عليه وسلم من أنه (إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ) ، فوجئ النبي بجبريل أمامه يراه بعينيه ليتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمرًا داخليًا مرده حديث النفس المجرد بل حقائق خارجية لا علاقة لها بالنفس داخل الذات، وداخله الخوف والرعب مما سمع ورأى ليتضح لكل مفكر عاقل أن ظاهرة الوحي فوجئ بها دون توقع سابق وهذا ليس شأن من يتدرج في التأمل والتفكير وإلا لاقتضى ذلك أن يعيش عامة المفكرين والمتأملين حالات من الرعب والخوف المفاجئة المتلاحقة، وأنت خبير أن الخوف والرعب ورجفان الجسم وتغير اللون من الانفعالات القسرية التي لا سبيل إلى اصطناعها والتمثيل بها، ثم إن انقطاع الوحي مدة طويلة واستبداد القلق برسول الله من أجل ذلك تجعل مجرد التفكير في كون الوحي إلهامًا نفسيًا ضربًا من الجنون إذ أن صاحب الإلهامات النفسية والتأملات الفكرية لا يمر إلهامه أو تأمله بمثل هذه الأحوال، وربما عاد بعد ذلك محترفو التشكيك يسألون: فلماذا كان ينزل عليه الوحي بعد ذلك وهو بين الكثير من أصحابه فلا يرى الملك أحد منهم سواه؟ والجواب: أنه ليس من شرط وجود الموجودات أن ترى بالأبصار إذ أن وسيلة الإبصار فينا محدودة بحد معين، وإلا لاقتضى ذلك أن يصبح الشيء معدومًا إذا ابتعد عن البصر بعدًا يمنع من رؤيته، على أنه من اليسير على الله وهو الخالق لهذه العيون أن يزيد في قوة ما شاء منها فيرى ما لا تراه العيون الأخرى، ثم إن استمرار الوحي بعد ذلك يحمل الدلالة نفسها على حقيقة الوحي وأنه ليس كما أراد المشككون، ونستطيع أن نجمل هذه الدلالة فيما يلي:

أ ـ التمييز الواضح بين القرآن والحديث إذ كان يأمر بتسجيل الأول فورًا على حين يكتفي بأن يستودع الثاني ذاكرة أصحابه فكان يحاذر أن يختلط كلام الله عز وجل الذي يتلقاه من جبريل بكلامه هو.

ب ـ كان النبي يسأل عن بعض الأمور فلا يجيب عليها، وربما يمر على سكوته زمن طويل حتى إذا نزلت آية من القرآن في شأن ذلك السؤال طلب السائل وتلا عليه ما نزل من القرآن في شأن سؤاله، وربما تصرف الرسول في بعض الأمور على وجه معين، فتنزل الآيات من القرآن تصرفه عن ذلك الوجه، وربما انطوت على عتب أو لوم له.

ج ـ كان النبي صلى الله عليه وسلم أميًا وليس من الممكن أن يعلم الإنسان بواسطة المكاشفة النفسية حقائق تاريخية كقصة يوسف.. وأم موسى حينما ألقت وليدها في اليم.. وقصة فرعون.

2.الخلوة شأن الصالحين وعباد الله العارفين والسر في الخلاء أن للنفس آفات لا يقطع شرتها إلا دواء العزلة عن الناس ومحاسبتها في نجوة من ضجيج الدنيا ومظاهرها ، فالكبر والعجب والحسد والرياء وحب الدنيا كل ذلك آفات من شأنها أن تتحكم في النفس وتتغلغل إلى أعماق القلب وتعمل عملها التهديمي في باطن الإنسان على الرغم مما قد يتحلى به ظاهره من الأعمال الصالحة والعبادات المبرورة، ورغم ما قد ينشغل به من القيام بشؤون الدعوة والإرشاد وموعظة الناس. وقد عد النبي صلى الله عليه وسلم من"ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه"من السبع الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وكان يعتكف في رمضان يضرب له خباء يختلي بنفسه فيه، والاعتكاف سنة تخلي العبد إلى ربه فيفرغ القلب من الدنيا ويتعلق بالله تعالى ويأنس بالآخرة. إنها خلوة بل وقفة على الطريق ولفتة إلى الوراء لنراجع الرصيد ونفتش السلوك ونمحص الرأي ، ونهذب القلب، وننقي الضمير، لنتابع المسير بعد ذلك على الطريق على بينة وهدى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت