فعله فقال لهم: إن حاله يصدقه قدمت قومه فوجدتهم يسمونه"الصادق الأمين"فقلت: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله ، ومن كان أمينًا في الأرض فهو أمين في السماء، فعجبوا من قوله وتركوه.
وخلاصة القول:
"الإيمان هو الخلق ، فمن زاد عليك في الخلق زاد عليك في الإيمان"
ثالثًا: صبا النبي صلى الله عليه وسلم:
1.المولد:
ولد النبي صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين من عام الفيل في الثاني عشر من ربيع الأول. (1)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1.أكد النبي صلى الله عليه وسلم أن يوم ولادته يوم الاثنين حيث قال لما سأله الأعرابي عن صوم يوم الاثنين ؟:"ذاك يوم ولدت فيه وأنزل علي فيه"وكان ذلك في عام الفيل ـ 570م ـ حيث زاد الله بيته تشريفًا ومكانة ورد حسد النصارى وحقدهم على مكة وعلى العرب في نحورهم ، وضحى أهل الفداء من ملوك حمير والنفيل ين حبيب دفاعًا عن المقدسات فذلك فعل الغرائز، وبالت العرب على قبر أبي رغال عميل أبرهة وجاسوسه وكان التقرير الواضح من عبد المطلب ( سنخلي بينك وبين البيت ) فكان حفظ البيت آية من آيات قدرة الله وأثرًا من سخطه على من اجترأ عليه بهتك حرمه، ولاح آت لعبد المطلب وهو نائم بالحجر يرشده لموطن زمزم ليبقى ماءها لما شرب له، وحفظ الله نبيه من السبي وحفظ قومه أئمة ديانين وقادة متبوعين وصار أصحاب الفيل مثلاُ في الغابرين.
2.هيأ الله آيات للدلالة على مولده قال صلى الله عليه وسلم:"أنا دعوة أبي إبراهيم ـ رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ـ وبشرى عيسى ـ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ـ عليهما السلام ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام واسترضعت في بني سعد بن بكر فبينا أنا في بهم لنا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض معهما طست من ذهب مملوء ثلجا فأضجعاني فشقا بطني ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقة سوداء فألقياها ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى انقياه رداه كما كان ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته . فوزنني بعشرة فوزنتهم ثم قال: زنه بمائة من أمته . فوزنني بمائة فوزنتهم ثم قال: زنه بألف من أمته فوزنني بألف فوزنتهم فقال: دعه عنك فلو وزنته بأمته لوزنهم" (2) قال ابن كثير: ( وتخصيص الشام بظهور نوره إشارة إلى استقرار دينه وثبوته ببلاد الشام ولهذا تكون الشام في آخر الزمان
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
( 1) كل 365 سنة يأتي يوم الاثنين موافقًاَ لـ 12 من ربيع الأول.
(2) وأما شق الصدر الثاني فكان ليلة الإسراء .
3.معقلًا للإسلام وأهله وبها ينزل عيسى بن مريم بدمشق وفي الحديث الصحيح:"إني رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي فنظرت فإذا هو نور ساطع عمد به إلى الشام ألا إن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام"
وقال حسان بن ثابت والله إني لغلام يفعهٌ ابن سبع سنين أو ثمان أعقل كل ما سمعت إذ سمعت يهوديًا يصرخ بأعلى صوته على أطمة بيثرب يا معشر يهود حتى إذا اجتمعوا إليه قالوا له: ويلك ما لك؟ قال: طلع الليلة نجم أحمد الذي ولد به ، وقال عمرو بن نفيل: قال لي حبر من أحبار الشام: قد خرج في بلدك نبي خرج نجمه فارجع فصدقه واتبعه.
2.الرضاع:
وأرضعته ثويبة مولاة أبي لهب، ثم حليمة السعدية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1.ثبت إرضاع ثويبة مولاة أبي لهب للنبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح عن أم حبيبة قالت: إنا نحدث أنك تريد أن تنكح درة بنت أبي سلمة قال:"بنت أم سلمة"قلت: نعم ، قال:"إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة أرضعتني وأبا سلمة ثويبة"، كما ثبت استرضاعه في بني سعد بقوله صلى الله عليه وسلم:"واسترضعت في بني سعد بن بكر"واختار الله لحليمة هذا الطفل اليتيم وأخذته على مضض لأنها لم تجد غيره فكان خيار الله لها أبرك وأفضل، وصاحبت فصاحة البادية كنف الطبيعة فاستمتع النبي صلى الله عليه وسلم بجوها الطلق وشعاعها المرسل فنمى عوده وانطلقت أفكاره فكان الحكم لمتخاصمي البيت وكان المتحنث الليالي ذوات العدد.
3.بركة النبوة:
وقد فاضت الأرزاق عليها بحلول النبي صلى الله عليه وسلم ديارها بعد فاقة احتوشتها، فعادت شارفها حافلًا بعد جفاف وانقطاع ، در صدرها حتى أشبع الرضيعان وارتويا.
ووقع شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم في ديار حليمة علامة على طريق الإيمان تعين الناس على تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في دعواه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1.ظهرت بركة النبي صلى الله عليه وسلم علىالسيدة حليمة في كل شيء في إدرار ثديها وغزارة حليبها وقد كان لا يكفي ولدها وظهرت بركته في سكون الطفل ولدها وقد كان كثير البكاء وظهرت بركته في شياههم العجفاوات التي لا تدر شيئا وإذا بها تفيض من اللبن الكثير الذي لم يعهد ، كانت هذه البركان من أبرز مظاهر إكرام الله له مما حذا بأهل بيت حليمة السعدية أن يحبوا هذا الطفل ويحسنوا معاملته وحضانته فكانوا أرحم به من أولادهم، وإذا كانت بركة النبي صلى الله عليه وسلم قد حلت على حليمة السعدية وأهلها وهو صغير فقد عادت على هوازن بكمالهم فواضله حين أسرهم بعد وقعتهم وذلك بعد فتح مكة بشهر فتوسلوا إليه برضاعه فأعتقهم تحنن عليهم وأحسن إليهم
امنن علينا رسول الله في دعة ... ... ... ... فإنك المرء نرجوه وننتظر
أمنن علىنسوة قد كنت ترضعها ... ... ... ... إذ فوك تملؤه من محضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... ... ... ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر ...
فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... ... ... ... من أمهاتك إن العفو مشتهر
فأطلق لهم الذرية وكانت ستة آلاف ما بين صبي وامرأة وأعطاهم أنعامًا وأناسي كثيرًا.
وهذه البركة كان جده يعرفها فعندما استسقى لقومه أخد بيد النبي صلى الله عليه وسلم فأقبل السحاب واغدودق وانفجر له الوادي وفي ذلك يقول:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ... ... ... ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
4.قصة الإيمان وحكايته الندية:
ووقع شق صدر النبي صلى الله عليه وسلم في ديار حليمة علامة على طريق الإيمان تعين الناس على تصديق النبي صلى الله عليه وسلم في دعواه.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1.ثبتت حادثة الصدر بالأحاديث الصحاح ومما أفادته رواياتها [... فاستخرج القلب واستخرج معه علقة سوداء فقال: هذا حظ الشيطان ... ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه، فخاطه وختم على قلبي بخاتم النبوة ثم قال أحدهما لصاحبه: اجعله في كفة واجعل ألفا من أمته في كفة فإذا أنا أنظر إلى الألف فوق أشفق أن يخر علي بعضهم فقال: لو أن أمته وزنت به لمال بهم ...وجاء الغلمان يسعون إلى أمه فقالوا: إن محمدًا قد قتل فاستقبلوه وهو منتقع اللون ، قال أنس: وقد كنت أرى ذلك المخيط في صدره] ولا شك أن التطهير من حظ الشيطان هو إرهاص مبكر للنبوة وإعداد للعصمة من الشر وعبادة غير الله فلا يحل في قلبه إلا التوحيد الخالص وقد دلت أحداث صباه على تحقق ذلك فلم يرتكب إثما ولم يسجد لصنم رغم انتشار ذلك في قريش.
رابعًا: وفاة أمه صلى الله عليه وسلم:
لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين توفيت أمه آمنة بنت وهب وكانت وفاتها بالأبواء بين مكة والمدينة كانت قدمت به على أخواله من بني عدي بن النجار تزيره إياهم، ولم يكن يتمه كسائر اليتم فلم يقهره وما أشعره بالذل ساعة فكان قدوة للناس وفي الناس الأيتام والضعفاء وكان النص النبوي العظيم"أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1.لقد أحس النبي صلى الله عليه وسلم بمرارة اليتم ذكرى بالنسبة للأب لكن عانى ذلك بالنسبة لأمه ثم جده، وبذلك أحس واقعًا لا حديثًا بآلام اليتامى وأنين المعذبين فكان أبًا لكل يتيم وكانت كلماته"أنا وكافل اليتم في الجنة هكذا"وقد اختار الله لنبيه هذه النشأة حتى لا يكون للمبطلين سبيل إلى إدخال الريبة في القلوب وإيهام الناس بأن محمدًا إنما رضع لبان دعوته ورسالته من أبيه وجده، ولم لا وإن جده عبد المطلب كان صدرًا في قومه فلقد كانت إليه الرفادة والسقاية.
لقد شاء الله لعبده وأحب اليتم والفقر ليكون على يديه فيما بعد هداية الإنسانية وشفائها من آلامها المادية كاليتم والفقر والمعنوية التي تتمثل بالضلال والتيه ولهذا كان التوجيه الرباني على ضوء عطائه له" (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ(9) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ (10) وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) والدعاة الذين لم يعانوا من هذه الآلام والهموم والمحن غير قادرين على فهمها والإحساس فيها بله معالجتها عندما يملكون ناصية المعالجة."
خامسًا: رعيه صلى الله عليه وسلم الغنم:
قال صلى الله عليه وسلم:"ما بعث الله نبيًا إلا رعى الغنم"فقال أصحابه وأنت؟ قال: نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة". فكانت رعاية الغنم قبل النبوة تمرنًا لما سيكلف به من القيام من أمر أمته من حلم وشفقة لأنه إن صبر على رعي الغنم وجمعها بعد تفرقها في المرعى ونقلها من مسرح إلى مسرح ودفع عدوها من سبع وغيره كالسارق وعلموا اختلاف طباعها وشدة تفرقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة ألف من ذلك الصبر على الأمة، وفي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك بعد أن أعلم كونه أكرم الخلق من عظيم التواضع لربه والتصريح بمنه عليه ."
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1.قال صلى الله عليه وسلم:"السكينة في أهل الشاء"، قال تعالى (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) ، ومن رحمته أنه ما آنس من نفسه القدرة على الكسب حتى أقبل يكسب ويجهد جهده لرفع بعض ما يمكن رفعه من مؤونة الإنفاق عن عمه، وربا كانت الفائدة التي يجنيها من وراء عمله غير ذات أهمية بالنسبة لعمه أبي طالب ولكنه تعبير أخلاقي رفيع عن الشكر وبذل للوسع وشهامة في الطبع وبر في المعامة.
2.عمله في رعي الغنم على قراريط لأهل مكة مع أنه أجر زهيد هي دعوة كريمة لكل شاب مسلم وداعية أن يعمل جهده ويكسب من عرق جبينه فالعمل شرف ولا يضر نوع العمل ولو كان عند الناس وضيعا لكنه عظيم عند الله عزو وجل ( ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده) (لا يفتح الإنسان على نفسه باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر يأخذ الرجل حبله فيعمد إلى الجبل فيحتطب على ظهره فيأكل به خير له من أن يسأل الناس معطى أو ممنوعا ذلك بأن اليد العليا أفضل من اليد السفلى) ، وقد سار السلف الصالح من صحابة النبي صلى الله عليه وسلم على نفس النهج النبوي في السعي في طلب الرزق قال عمر"أخفي علي هذا من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ألهاني الصفق بالأسواق"، وقال قتادة:"كان القوم تبايعون ويتجرون ولكنه إذا نابهم حق من حقوق الله لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتى يؤدوه إلى الله) ، وتقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها:"كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عمال أنفسهم"."
3.لا شك أن العمل الحر بالنسبة للداعية أعون له على دعوته وأقوم له على أن يقول الحق ويصدع فيه وكم من الناس يطأطئون للطغاة ويسكتون على باطلهم خوفًا على وظائفهم إنهم يبيعون دينهم بدنياهم.
سادسًا: حفظ الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم:
من اللطيف أن الله سبحانه قد حمى نبيه في صغره من أن يقع في الخطايا والآثام التي كان الشباب يقترفها حتى إن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليدرك قيمة هذا بعد مبعثه ويشير إلى هذه العناية الربانية بقوله صلى الله عليه وسلم"ما هممت بقبيح مما يهم به أهل الجاهلية إلا مرتين من الدهر كلتاهما عصمني الله منهما، فوالله ما هممت بعدهما بسوء مما يعمله أهل الجاهلية حتى أكرمني الله بنبوته".
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1.أ ـ في مسند الإمام أحمد حديث جار لخديجة أنه سمع النبي يقول: أي خديجة والله لا أعبد اللات والعزى قال: وكان صنمهم التي كانوا يعبدون وكان لا يأكل ما ذبح على النصب ووافقه في ذلك زيد بن عمرو بن نفيل"."
ب ـ وفي الصحيحين: لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وسلم ينقل الحجارة فقال العباس لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اجعل إزارك على عاتقك من الحجارة، ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم قام فقال:"إزاري"فشد عليه إزاره.
ج ـ أخرج البيهقي بسند حسن عن زيد بن حارثة: كان صنم من نحاس ـ يقال له إساف ونائلة ـ يتمسح به المشركون إذا طافوا فطاف رسول الله صلى الله عليه وسلم وطفت معه فلما مررت مسحت به فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم"لا تمسه"قال زيد: فطفنا فقلت في نفسي: لأمسنه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال:"ألم تنه"قال زيد: فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب، ما استلم صنمًا قط حتى أكرمه الله تعالى بالذي أكرمه وأنزل عليه.
د ـ أنه كان لا يقف بالمزدلفة ليلة عرفة بل كان يقف مع الناس بـ (عرفات) ، عن جبير بن مطعم قال: أضللت بعيرًا لي بعرنة فذهبت أطلبه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم فذهبت أطلبه فإذا النبي صلى الله عليه وسلم واقف فقلت: إن هذا من (الحمس) ما شأنه ها هنا؟!.
وهذا درس لكل داعية أن يكون على منهج الله في سلوكه وعمله ولو كلفته الاستقامة على هذا النهج العنت من الناس واللوم والإعراض منهم والأذى والتشهير كذلك، فلا عذر للداعية في مجاراة قومه في منكر عاداتهم وضلال سلوكهم وانحراف عقيدتهم. وما لم يكن الداعية قوامًا على الحق في قومه فلن يستطيع أن يقودهم إلى النور، ويخرجهم من الظلمات، والتميز والمفاصلة في السلوك والموقف والعقيدة أمر أساسي بالنسبة للدعاة إلى الله، إن التساهل من الدعاة في هذه الجوانب هو الذي مكن من التساهل في استعمال التلفاز في كل بيت وهو الذي يحوي الغث والثمين، والمعازف فيه تكاد تملأ معظم برامجه وقلما ينجو من إثم هو أو أحد أهل بيته وهو يستمع لها أو يسكت على سماعها.
2.التأكيد على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان متمتعًا بخصائص البشرية كلها فكان يجد في نفسه ما يجد كل الشباب من مختلف الميول الفطرية فكان يحس بمعنى السمر واللهو إلا أن حكمه الله اقتضت عصمته مع ذلك عن جميع مظاهر الانحراف وعنه كل ما لا يتفق مع مقتضيات الدعوة التي هيأه الله لها، وهذا شأن أصحاب الدعوات أعلام الناس. قال الفضيل بن عياض: إني لأعصى الله فأعرف ذلك في خلق دابتي وجاريتي ، وللشيخ الراشد كلام جميل في رعاية الله لعبده.
الوحدة الثانية
شباب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
أولًا: سفر أبي طالب به إلى الشام:
1.وقصة الراهب معروفة في المغازي وما أدري أرك البعثة أم لا، وقد وقع في بعض السير أنه كان من يهود تيماء، وفي مروج الذهب للمسعودي: أنه كان نصرانيًا، وسماه الحافظ ابن حجر في الإصابة بحيرا.
2.وفي القرآن الكريم خبر هؤلاء الرهبان وأنهم (يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) ، وأن فريقًا منهم لم يكونوا يكتمون، منهم بحيرا الراهب، وعبد الله بن سلام، وبعض من التقاه سلمان الفارسي من الرهبان.
3.ولعل بحيرا ممن اطلع على الكتب السماوية وعلم ما فيها من صفات النبي صلى الله عليه وسلم أو لعله ممن عنى النبي صلى الله عليه وسلم:"قد كان فيمن كان قبلكم من بن إسرائيل رجال يكلمون من غير أن يكونوا أنبياء"أي يلهمون، قال بحيرا:"إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا ولا يسجدان إلا لنبي"فرأى بحيرا ما لم يره غيره وقد ورد في الخبر الصحيح أن الحجارة بمكة كانت تبدأ النبي صلى الله عليه وسلم بالسلام.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1.أن النبي صلى الله عليه وسلم استفاد من سفره وتجواله مع عمه وبخاصة من أشياخ قريش حيث اطلع على تجارب الآخرين وخبرتهم والاستفادة من آرائهم فهم أصحاب خبرة ودراية وتجربة لم يمر بها النبي صلى الله عليه وسلم في سنه تلك قال الغزالي في إحياء علوم الدين:"وإنما سمى السفر سفرا لأنه يسفر عن الأخلاق:ولذلك قال عمر رضي الله عنه للذي زكى عنده بعض الشهود:هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم أخلاقه:لا،فقال:ما أراك تعرفه وكان بِشرٌ يقول:يا معشر القراء سيحوا تطيبوا فإن الماء إذا ساح طاب،وإذا طال مقامه في موضع تغير.وبالجملة فإن النفس في الوطن مع مواتاة الأسباب لا تظهر خبائث أخلاقها لاستئناسها بما يوافق طبعها من المألوفات المعهودة،فإذا حملت وعناء السفر وصرفت عن مألوفاتها المعادة وامتحنت بمشاق الغربة انكشفت غوائلها ووقع الوقوف على عيوبها فيمكن الاشتغال بعلاجها".
2.حذر بحيرا من النصارى، وبين أنهم إذا علموا بالنبي صلى الله عليه وسلم سيقتلونه وناشد عمه وأشياخ مكة ألا يذهبوا به إلى الروم فإن الروم إذا عرفوه بالصفة يقتلونه، لقد كان الرومان على علم بأن مجئ هذا الرسول سيقضي على نفوذهم الاستعماري في المنطقة ومن ثم فهو العدو الذي سيقضي على مصالح دولة روما، ويعيد هذه المصالح إلى أربابها، وهذا ما يخشاه الرومان ، ولما عرض النبي صلى الله عليه وسلم نفسه على بني حنيفة كان جواب المثنى بن حارثة: إنا نزلنا أنهار كسرى وإني أرى هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك.
ثانثًا: حلف المطيبين ويسمى حلف الفضول:
4.قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"شهدت حلف المطيبين مع عمومتي أنا غلام فما أحب أن لي حمر النعم وأني أنكثه"وأصل الحلف المعاهدة على التعاضد والتساعد والاتفاق فما كان منه في الجاهلية على الفتن والقتال بين القبائل والغارات فذلك الذي ورد النهي عنه في الإسلام، بقوله:"لا حلف في الإسلام"وما كان في الجاهلية على نصر المظلوم وصلة الأرحام كحلف المطيبين وما جرى مجراه فذلك الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم"وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة".
7.وسبب حلف المطيبين أن قبائل من قريش ـ بنو هاشم ، وبنو المطلب، وأسد بن عبد العزى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة ـ تداعت إلى حلف فاجتمعوا في دار عبد الله بن جُدعان فتعاهدوا على أن لا يجدوا بمكة مظلومًا من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس إلا قاموا معه وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته فسمت قريش ذلك حلف الفضول، وسمي أيضًا: حلف المطيبين لأنهم جعلوا طيبًا في جفنة وغمسوا أيديهم فيه وتحالفوا على التناصر والأخذ للمظلوم من الظالم فسموا المطيبين ... .
8.كان النبي صلى الله عليه وسلم يتطلع لرفع الظلم عن أصحابه فما أن علم أن في الحبشة ملكًا عادلًا حتى أمر أصحابه أن يهاجروا إليها، فهل يكون هذا الفعل مشعرًا بجواز التحالفات في العصر الحاضر، حتى مع من هو مخالف في الدين والعقيدة، إذا كان أمينًا على الإسلام وأهله، ولا يكاد يخلوا الزمان.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
العبر والعظات:
1.حلف الفضول أكرم حلف سمع به وأشرفه في العرب، روى ابن إسحاق ـ بسند جيد ـ أنه كان بين الحسين بن علي بن أبي طالب وبين الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ـ والوليد يومئذ أمير المدينة أمره عمه معاوية بن أبي سفيان ـ منازعة في مال كان بينهما فكأن الوليد تحامل على الحسين في حقه لسلطانه فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفنني من حقي أو لأخذن سيفي ثم لأقومن في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم لأدعون بحلف الفضول. قال: فقال عبد الله بن الزبير ـ وهو عند الوليد حين قال له الحسين ما قال ـ: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لآخذن سيفي ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعًا. قال: وبلغت المسور بن مخرمة بن نوفل الزهري، فقال مثل ذلك. وبلغت عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فقال مثل ذلك. فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضي.
إن الفضول تعاقدوا وتحالفوا ... ... ... ... ... ألا يقيم ببطن مكة ظالم
... أمر عليه تعاقدوا وتواثقوا ... ... ... ... ... فالجار والمعتر فيهم سالم
2.إن العدل قيمة مطلقة وليست نسبية وأن الرسول صلى الله عليه وسلم يظهر اعتزازه بالمشاركة في تعزيز مبدأ العدل قبل بعثته بعقدين، فالقيم الإيجابية تستحق الإشادة بها حتى لو صدرت من أهل الجاهلية.
3.كان حلف الفضول واحة في ظلام الجاهلية وفيه دلالة بينة على أن شيوع الفساد في نظام أو مجتمع لا يعني خلوه من أي فضيلة وفي هذا درس عظيم للدعاة في مجتمعاتهم التي لا تحكم الإسلام أو تحاربه بأن لا يقفوا مكتوفي الأيدي ينتظرون التصفية والإبادة لا بد أن يتحركوا تحت أي ستار يصلون من خلاله إلى حمايتهم وحماية دعوتهم وإذا كانت القوانين السائدة والأعراف الحاكمة تهيئ لهم هذه الحماية، وتمنع عنهم هذه التصفية فحري بهم أن يستفيدوا منها، ويدافعوا المجتمع إلى التحرك من خلالها لحماية الدعوة ونصر المستضعفين.