الصفحة 9 من 12

ليس منا أحد لم يقارف في عمره معصية، ولم يجد لهذه المعصية لذة؛ أقلها أنه آثر متعة الفراش مرة على القيام لصلاة الفجر، فماذا بقي في أيدينا الآن من هذه اللذة التي أحسسنا بها قبل عشر سنين! وليس منا أحد لم يكره نفسه على أداء طاعة، ولم يحمل لهذه الطاعة ألمًا أقله الجوع والعطش في رمضان، فماذا بقي في نفوسنا الآن من ألم الجوع في رمضان الذي جاء من عشر سنين؟ لا شيء.

ذهبت لذات المعاصي وبقي عقابها، وذهبت آلام الطاعات وبقي ثوابها، وساعة الموت ما الذي يبقى لنا - تلك الساعة - من جميع اللذائذ التي ذقناها والآلام التي حملناها؟

إن كل مؤمن يريد أن يتوب ويرجع إلى الله ولكنه يؤجل ويسوف، أنا كنت أقول: إذا حججتُ تبتُ وأنبت، ثم رأيتُ أني حججتُ وما تبت، وكنت أقول: إذا بلغت الأربعين تبت، فبلغتها وما تبت، وجاوزت الستين وما تبت، وشبت وما تبت. ليس معنى هذا أني مقيم على المحرمات، مرتكب للفواحش، لا وبحمد الله ولكن معناه أن الإنسان يرجو لنفسه الصلاح، ولكنه يسوف؛ يظن أن في الأجل فسحة، يحسب أن العمر طويل فيرى الموت قد طرقه فجأة، وقد رأيت أنا الموت مرتين، وعرفت ما شعور الميت، لقد ندمت على كل دقيقة أضعتها في غير طاعة - إي والله - فلما نجوت بقيت على هذا الشعور شهورًا، صرت فيها صالحًا، ثم انغمست مرة ثانية في غمرة الحياة، ونسيت.. نسيت الموت.

كلنا ننسى الموت، نرى الأموات يمرون بنا كل يوم، ولكن لا نتصور أننا سنموت، نقف في صلاة الجنازة ونحن نفكر في الدنيا، يظن كل واحد منا أن الموت كتب على الناس كلهم إلا عليه، مع أن الإنسان يعلم أن الدنيا موليةٌ عنه، وأنه مولٍّ هو عنها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت