الصفحة 8 من 12

المجنون هو الحرُّ الحرية المطلقة، وأما العاقل فإن عقله يقيد حريته، وما العقل؟ إن لفظه مشتق من الأصل الذي اشتق منه العقال؛ أي الحبل الذي يقيد به الجمل، والحكمة قريبُ معنىً من حكمة الدابة، وهي كذلك قيد، والحضارة قيد؛ لأنها لا تدعك تفعل ما تريد؛ بل توجب عليك مراعاة حقوق الناس وأعراف المجتمع، والعدالة قيد؛ لأنها تضع نهاية لحريتك حيث تبدأ حرية جارك.

ثم إن المعاصي لذيذة؛ لأنها توافق طبيعة النفس؛ إنك تجد لذة في سماع الغيبة والمشاركة فيها لأنها تشعرك بأنك خير من هذا الذي يذكرونه بالسوء وأفضل، والسرقة لذيذة لأن فيها امتلاك المنال بلا كد ولا نصب، والزنا لذيذ لأن فيه إعطاء النفس هواها وإنالتها مشتهاها، والغش في الامتحان لذيذ لأنه يوصل إلى النجاح بلا جهد، والهرب من الواجب -مهما كان- لذيذٌ على النفس لأن فيه الراحة والكسل.

ولكن الإنسان حين يفكر ويستعمل عقله، يجد أن هذه الحرية المؤقتة لا تساوي ما بعدها من سجن في جهنم طويل، وهذه اللذة المحرمة، لا تعدل ما بعدها من العذاب.

من يرضى أن نجعل بيننا وبينه عهدًا، اتفاقية عند الكاتب العدل مدتها سنة، نعطيه خلالها كل ما يطلب من مال، ونسكنه في القصر الذي يريد، في البلد الذي يختار، ونزوجه بمن شاء من النساء، مثنى وثلاث ورباع، ولو طلق كل عشية واحدة، وتزوج كل صباح أخرى، ولا نمنع عنه شيئًا يريده، ولكنا إذا انقضت السنة، علقناه من عنقه على المشنقة حتى يموت! ألا يقول: «تعسًا وبعدًا للذة سنة بعدها الموت» ! ألا يتصور نفسه ساعة يعلق على المشنقة، فيرى أنه لم يبق في يده شيء منها؟! مع أن ألم الشنق بعض دقيقة، وعذاب الآخرة دهر طويل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت