فإذا جحد خالقه وأنكر ربه، فكفر به أو أشرك معه في عبادته غيره، غلبت عليه في هذه الحال الصفة الشيطانية.
وإذا عصف به الغضب، فأوتر أعصابه، وألهب دمه، وشد عضلاته، فلم يعد له أمنية إلا أن يتمكن من خصمه فيعضه بأسنانه وينشب فيه أظافره، ويطبق على عنقه بأصابعه فيخنقه خنقًا ثم يدعسه دعسًا، غلبت عليه في هذه الحال الصفة الوحشية، فلم يبق بينه وبين النمر كبير فرق، وإذا عضه الجوع وبرح به العطش، وانحصرت آماله في رغيف يملأ معدته، كأس تبل صداه، أو تملكته الشهوة وسيطرت على نفسه الرغبة الجنسية فغلى بها دمه واشتعلت بها عروقه وامتلأ ذهنه بخيالات الشبق وأمانيه، غلبت عليه في هذه الحال الصفة البهيمية، فكان كالفحل أو الحصان، أو ما شئت من أصناف الحيوان.
هذه حقيقة الإنسان؛ فيه الاستعداد للخير والاستعداد للشر، أعطاه الله الأمرين ومنحه العقل الذي يميز به بينهما، والإرادة التي يستطيع بها أن يحقق أحدهما؛ فإن أحسن استعمال عقله في التمييز وأحسن استعمال إرادته في التنفيذ ونمى استعداده للخير حتى تخلق به وأنجزه، كان في الآخرة من السعداء، وإن كانت الأخرى كان من المعذبين.
صحيح أن النفس مطبوعة على الحرية، والدين قيد، ولكن لابد من هذا التقيد، ولو تركناها تأتي الفواحش كما تشاء انطلاقًا من طبع الحرية فيها، لصار المجتمع مارستانا كبيرًا؛ لأن الحرية المطلقة للمجانين: المجنون يفعل كل ما يخطر على باله، بمشي على الطريق عاريًا، ويركب على كتفي سائق السيارة العامة، ويستحسن ثوبك فيأخذه من فوق كتفيك، وتعجبه بنتك فيطلبها منك بحق الغرام، لا بشرعة الإسلام.