تكون نائمًا في ليالي الشتاء، متمتعًا بدفء الفراش ولذة المنام؛ لتسمع قرع المنبه يدعوك إلى الصلاة، فتحس صوتًا من داخلك يقول لك: قم إلى الصلاة. فإذا جئت تقوم، سمعت صوتًا آخر يقول لك: نم قليلًا. فيعود الصوت الأول يقول: الصلاة خير من النوم. فيقول الثاني: النوم لذيذ، والوقت متسع، فتأخر دقائق. ولا يزال الصوتان يتعاقبان تعاقب دقات الساعة: «نم، قم، نم، قم» [1] ؛ هذا هو العقل، وهذه هي النفس، وهذا مثال يتكرر آلاف المرات في آلاف الصور؛ كلما عرض المرء مثل هذا الموقف فوقف أمام لذة محرمة تدعوه نفسه إلى غشيانها وكان في قلبه إيمان، يدفع عقله إلى منعة منها، وعلى مقدار ما يكون من انتصار العقل، تكون قوة هذا الإيمان.
وليس معنى هذا أن ينتصر العقل دائمًا، وألا يقارب المسلم المعاصي أبدًا؛ فالإسلام دين الفطرة، دين الواقع، والواقع أن الله خلق خلقًا للطاعة الخالصة، ولمحض العبادة، هم الملائكة ولم يجعلنا الله ملائكة، وخلق خلقًا شأنهم المعصية والكفر هم «الشياطين» ، ولم يجعلنا كالشياطين، وخلق خلقًا لم يعطهم عقولًا ولكن غرائز، فلا يكلفون ولا يسألون وهم البهائم والوحوش ولم يجعلنا الله وحوشًا ولا بهائم.
فما نحن إذن؟ ما الإنسان؟
الإنسان مخلوق متميز؛ فيه شيء من الملائكة وشيء من الشياطين، وشيء من البهائم والوحوش؛ فإذا استغرق في العبادة، وصفا قلبه إلى الله عند المناجاة، وذاق حلاوة الإيمان في لحظات التجلي، غلبت عليه في هذه الحال الصفة الملكية، فأشبه الملائكة الذين: { لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } [التحريم: 6] .
(1) ويحس مثل ذلك من يريد القفز من فوق حفرة أو ساقية، وهو يرجو الوصول ويخشى السقوط، ويسمع من نفسه صوتين يتعاقبان: ثب، ارجع، ثب، ارجع. فإن وثب عند قول: «ثب» ولم يتردد نحج، وإن تردد حتى جاء قول «ارجع» ووثب، سقط وهذا مجرب. اهـ.