لذلك تجد الطالحين أكثر من الصالحين، والغافلين السادرين في الغي أكثر من الذاكرين والسالكين سبيل الرشاد، ولذلك كان أتباع الكثرة بلا بصر ولا دليل يضل فاعله في أكثر الأحيان: { وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ } [الأنعام: 116] ، ولولا أن القلة والندرة من صفات السمو والرفعة ما كان الألماس [1] نادرًا، والفحمُ كثيرًا موفورًا، ولا كان العباقرة والنابغون والأبطال المتميزون، قلة في الناس.
إن الأنبياء وورثتهم من صالحي العلماء هم الدعاة إلى طريق الجنة، والشياطين وأعوانهم من الفاسدين المفسدين من الناس هم الدعاة إلى طريق النار، وقد جعل فينا في داخلنا أنصارًا لهؤلاء وأنصارًا لهؤلاء، في داخلنا حزب هو مع الأنبياء، وحزب هو حزب الشياطين؛ فحزب الأنبياء يتمثل في العقل، وحزب الشياطين في النفس الأمارة بالسوء.
تقولون: ما العقل وما النفس؟ ولست أدعي أني أضع لكل منهما حدودًا ظاهرة، وأميزها تمييزًا واضحًا؛ فإن هذه الأمور لا تزال في ظلمات جهلنا بها،لم يستطع العلم أن يضيء جوانبها.
كلنا يقول: «قلت لنفسي» ، و: «قال لي عقلي» ، فما أنت وما نفسك؟! وما نفسك وما عقلك؟! لم يتضح ذلك لنا بعد؛ فلست أكشف هنا المجهول، ولكن أذكر بمثال مشاهد معلوم.
(1) الذي جاء في أكثر كتب اللغة: أن لامها أصلية، وذلك خلافًا لما في القاموس المحيط للفيروزآبادي.