مهما عاش الإنسان فهو ميت، ليعش ستين سنة، ليعش سبعين، ليعش مائة سنة، ألا تنقضي؟ ألا تعرفون من عاش مائة سنة ثم مات؟ نوح لبث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة فأين نوح الآن؟ هل بقيت له الدنيا؟ هل سلم من الموت؟ فلماذا لا نفكر في الموت، ونستعد له إن كان لابد منه؟!
من كانت أمامه سفرة لا يعرف موعدها ألا يتهيأ لها؛ حتى يكون جاهزًا، فإذا دعي أجاب؟ رأيت - وكنت في الصيف الماضي في عمان - المعلمين الأردنيين الذين تعاقدوا مع المملكة العربية السعودية للعمل فيها، وقد خبروهم أن الطيارات تنقلهم تباعًا، فليستعدوا، فمن أنجز جواز سفره، وأكمل حزم متاعه، وودع أهله، ووضع إلى جنبه ثيابه فإنه يلبي في أي ساعة يدعى فيها، فيلبس ثيابه ويمضي إلى المطار، ومن أهمل وأجل حتى إذا قال لهم: أملهوني حتى أنزل إلى السوق فأشتري متاعي، وأذهب إلى القرية فأودع أهلي، وأراجع الحكومة لاستخراج جوازي- لم يمهلوه؛ بل ذهبوا وتركوه، ولكن ملك الموت إذا جاء لا يتركه ويذهب؛ بل يأخذه كرهًا؛ يأخذه ولو كان آبيًا، لا يمهله ساعة، ولا دقيقة، ولا لمحة، ولا يملك أن يمهله، وليس يعرف أحد منا متى يأتي ليأخذه ملك الموت.
وما الموت؟ ما حقيقته؟ إن لحياة الإنسان مراحل: فمرحلة وهو جنين في بطن أمه، ومرحلة وهو في هذه الدنيا، ومرحلة وهو في البرزخ بين الدنيا والآخرة؛ من يوم موته إلى يوم القيامة، والمرحلة الدائمة وهي الحياة الحقيقية مرحلة الآخرة، ونسبة كل مرحلة لما قبلها كنسبة ما بعدها إليها.