وإذا تكلمنا عن التمكن في معرفة صحيح السنة وتمييزها عن الضعيف فأنت تتكلم عن رجل يفني عمره وهيهات هيهات من أن يحوز ذلك كله.
وكذلك التوسع والتمكن في الفقه وأصوله، والتبحر في الرد على أهل الزيغ والبدع والعقائد الباطلة، إلى غير ذلك.
تفنى الأعمار ولا يحوز العالم كل العلم، فعلوم الشريعة بحر عظيم واسع لا ساحل له.
حدثني من أثق به أن جيرانهم قد حذروا والده عندما سمح لابنه بدراسة الشريعة، بل إن بعضهم زاد من تحذير والده قائلًا له: يا جاري العزيز لو علّمته (الحلاقة) لكان خيرًا له.
والحلاقة هي مهنة قص الشعر.
بل أذكر شابًا درس معنا في الجامعة فصلًا دراسيًا واحدًا، وكان من أسوأ الطلاب تحصيلًا دراسيًا، وفي السنة الثانية التقيته في السوق، فسألته عن أخباره، فقال لي: إنه يدرس المحاسبة. واستدرك قائلًا: وأنا من المتفوقين، لأن للمحاسبة مستقبلًا إن تفوقت فيها، بينما دراسة الشريعة لا مستقبل لها ولا داعي للاجتهاد فيها. فقلت له: ألا تحتسب الأجر على الله. فقال لي: وهل انحصر الخير كله في دراسة الشريعة.
أنا لا أنكر عليه ميله الدراسي، ولكني بصدد بيان النظرة المجتمعية لدراسة الشريعة.
وللأسف بعض الدكاترة الذين درّسونا في الجامعة وبعضهم في الدراسات العليا، كانوا يتفاخرون على طلابهم بإخوانهم أو أبنائهم أو أحفادهم الذين