لقد كان المتخرج من هذه المدارس - بعد أربع سنوات فقط من الدراسة - يعين فور تخرجه في دواوين الحكومة براتب يبلغ أربعة جنيهات كاملة، كانت في ذلك الحين تمثل ثروة ضخمة، إذ كانت الأسعار زهيدة إلى حد لا يتصور بالنسبة للأسعار الحالية، وكانت القوة الشرائية للجنيه المصري عظيمة، بحيث كانت الجنيهات الأربعة تكفي للحياة الكريمة في العاصمة ذاتها، ويستطيع صاحبها أن يتزوج ويكون أسرة، ويتبقى معه بعد ذلك ما يدخره ليشترى به (الأطيان) في الريف
أما خريج الأزهر الذي يقضى في الدراسة عشرين سنة من عمره في بعض الأحيان فلا يجد عملًا .. وإن وجد عملًا في إقامة الشعائر في المسجد فبمائة وعشرين قرشًا، تكفي للحياة نعم، ولكنها حياة ذليلة ضئيلة بالنسبة لخريج المدرسة الابتدائية الذي يعمل في الديوان.
وحين يكون الوضع على هذا النحو، ويكون لك ولد تريد تعليمه، فإلى أين تذهب به؟ تذهب به إلى الأزهر ليقضى زهرة شبابه هناك ثم يتخرج ليبقى عاطلًا، أو يعمل مقيم شعائر في المسجد بهذا الراتب الضئيل؟ أم تذهب به إلى مدارس دنلوب، فيتخرج بعد أربع سنوات ليكون من المشار إليهم في المجتمع، من موظفي الحكومة الذين يتودد إليهم البقال والجزار وصاحب المسكن، ويحتلون المكانة المرموقة في كل مكان؟
لقد كان الانتساب إلى الأزهر فيما مضى شرفًا تتسابق إليه الأسر، وكانت الأسرة التي تحوى ضمن أفرادها عالمًا، أيْ واحدًا من خريجي الأزهر، تصبح محط الأنظار، سواء في العاصمة أو في الأقاليم، وينظر إليها الناس بالتبجيل