ولقد أكثر الحكماء والشعراء القول في فوائد الأسفار وحكمة التنقل، والسفر عند العلماء مذهب وعقيدة، ولم يكن العالم يصيب مكانة بين قومه ما لم يذرع الأقطار طولا ويجوب الأمصار عرضا في طلب العلم ، غير أن حكمة السفر والتنقل لا تقف بصاحبها عند الاستزادة من العلم، وإنما تكسبه فضيلة الصبر والجلد واكتساب الرزق ومعرفة الإخوان، وللإمام الشافعى في ذلك أبيات نفيسة مشهورة يقول فيها: سافر تجد عوضا عمن تفارفه وانصب فإن لذيذ العيش في النصب إنى رأيت وقوف الماء يفسده إن سال طاب، وإن لم يجر لم يطب والأسد لولا فراق الغاب ما افترست والسهم لولا فراق القوس لم تصب والتبر كالترب ملقى في أماكنه والعود في أرضه نوع من الحطب وللإمام الشافعى بيتان متفردان في جمالهما يصور فيهما غرامه بالسفر، وولوعه بالتجوال، وذلك حين يقول: سأضرب في طول البلاد وعرضها أنال مرادى أو أموت غريبا فإن تلفت نفسى فلله درها وإن سلمت كان الرجوع قريبا تلك أبيات متمنطقة بالعقل، ملتفعة بالحكمة، مؤيدة بالتجربة، قالها إمام عالم فقيه شاعر، ومن ثم لم يكن غريبا أن نتابع عزفه على أوتار الحكمة في بيتيه ذائعى الصيت، برغم أن كثيرين ممن يحفظونهما لا يعرفان أنهما من فيض قريحة الإمام العظيم، وهما قوله: نعيبُ زماننا والعيب فينا وما لزماننا عيب سوانا ونهجو ذا الزمان بغير جرم ولو نطق الزمان إذن هجانا ص _012