ومن الأئمة الشعراء عبد الله بن المبارك، وهو تلميذ كبار أئمة زمانه، إنه تلميذ أبى حنيفة والمدافع عنه، وتلميذ مالك، وتلميذ الأوزاعى وتلميذ سفيان الثورى. إن شعر الإمام ابن المبارك من الطراز النفيس الملتزم ، الداعى إلى التزام عرى الدين والاستمساك بالفضائل، ويحمل في طياته منهج ناقد وحذق داعية وذلك في قوله: رأيتُ الذنوب تميتُ القلوبَ ويورثك الذلَّ إدمانُها وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوبِ وخيرٌ لنفسكَ عصيانُها وهل أفسد الدين إلا الملوك وأحبار سوء ورُهبانُها وباعوا النفوس فلم يربحوا ولم تغل في البيع أثمانُها لقد رتع القومُ في جيفةٍ يَبين لذى اللبَ إنتانُها وكان الإمام ابن المبارك ذا مال يكفيه، ويسار يغنيه، ولكنه كان يحب أن يصل العلماء والزهاد بما يعينهم على تكاليف الحياة، ومن ثم احترف التجارة حتى وهو مرابط في الثغور، وكان يقول في أسباب احترافه التجارة: لولا خمسة ما اتجرت: السفيانان ـ يعنى الثورى وابن عيينة ـ وفضيل بن عياض وابن السماك وابن علية، يقصد بقوله أنه أقدم على التجارة ليكون لديه من المال الوفير ما يمكنه من صلتهما. فلما ولى الخليفة هارون الرشيد، إسماعيل ابن علية القضاء غضب عليه ابن المبارك ولم يعره التفاتا إذا لقيه ثم أنشأ هذه الأبيات معرضا بالعالم الجليل إسماعيل بن علية: يا جاعلَ العلمِ له بازيا يصْطاد أموال المساكينِ احتلتَ للدنيا وزينتها بحيلة تذهبُ بالدينِ فصرت مجنونا بها بعد ما كنت دواءً للمجانينِ أين روايتك في سردِها بتركِ أبوابِ السلاطينِ أين روايتك فيما مضى عن ابن عوف وابن سيرينِ إن قلت: أُكرِهْتُ، فذا باطل زل حمارُ الشيخ في الطينِ ص _009